خراب الجنوب… العهد يختار الدبلوماسية ضد إسرائيل

لبنان الكبير / مانشيت

انقشع الانسحاب الإسرائيلي غير الكامل عن مشهد خراب كان متوقعاً، لكن معاينته بالعين والقلب كانت موجعة للجنوبيين، الذين تفرجوا على جنى العمر، من الأملاك والأبناء، أكوام دمار على مد النظر، فلم يسعهم غير التحسر بعدما لعبت جماعة بمصائرهم في قمار إقليمي ثم تركتهم بلا إسناد.

وغداة إقرار حكومة العهد الأولى بيانها لتحصل به على ثقة النواب، بعدما كسبت حتى الآن ثقة الناس، خصوصاً وأنها أسقطت معادلة الخراب فما أبقت مقاومة خارج الدولة، ارتفع صوت الرئيس جوزاف عون واضحاً بالقول إن الدبلوماسية هي خيار المواجهة مع الاحتلال الاسرائيلي.

عبور فوق الخراب

وكانت اللحظة الجنوبية أشبه بعبور من بين أنقاض الذاكرة إلى حضن الأرض. عاد الأهالي إلى قراهم المدمّرة سيراً على الأقدام، يحملون في قلوبهم حنيناً لم يطفئه لهيب الحرب. بين الحقول المجروفة وأكوام الركام، كانت خطواتهم تستعيد نبض الحياة، فيما ارتفعت زغاريد الأمهات تختلط بدموع الفرح واللوعة. هناك، حيث اختفت معالم الأزقة وتحوّلت البيوت إلى أطلال، وقف العائدون مذهولين أمام مشاهد الخراب، لكنّهم أصرّوا على النهوض من بين الركام، مؤكدين أن ذاكرة الأرض أقوى من الحرب، وأنهم سيعيدون إليها الحياة مهما كان الثمن.

في تلك اللحظة التاريخية، كان الوطن يستعيد أبناءه، والقرى تعانق أحلام من غادروها مجبرين. وبين الحجارة المتناثرة، كانت الأرواح تلتقط ما تبقى من عبق الذكريات، وترسم ملامح مستقبل جديد.

وشهدت بلدات كفركلا والوزاني وميس الجبل توافد العشرات من العائلات لتفقد منازلهم والبحث عن جثامين مفقودين من ذويهم. كما شهدت القرى انتشاراً مكثفاً لقوات “اليونيفيل” بالتنسيق مع الجيش اللبناني، الذي انتشرت وحداته في القرى المحررة، معلنةً بدء عمليات إزالة السواتر الترابية ومسح الطرقات من الذخائر غير المنفجرة. وشمل الانتشار بلدات: العباسية، المجيدية، كفركلا، العديسة، مركبا، حولا، ميس الجبل، محيبيب، مارون الراس وأجزاء من يارون.

لبنان يتمسك بالدبلوماسية ويستكمل انتشار الجيش

وفيما تصر اسرائيل على البقاء في 5 مواقع “استراتيجية”، أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون، أن لبنان يواصل اتصالاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وفرنسا لاستكمال انسحاب القوات الاسرائيلية من المواقع التي لا تزال موجودة فيها في جنوب البلاد، مؤكداً أمام وفد من نادي الصحافة أن القرار اللبناني موحّد في اعتماد الخيار الدبلوماسي لتجنب الحرب والحفاظ على السيادة.

وتطرق عون إلى أزمة منع طائرة إيرانية من الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي خلال الأيام الماضية، والتي أدت إلى احتجاجات تخللتها أعمال شغب في مناطق عدة في لبنان، خصوصاً محيط المطار.

وقال: “ليس هناك حصار على الطائفة الشيعية كما يروّج البعض، والاجراءات المتَّخذة بحقّ شركات الطيران الايرانية مرتبطة بالعقوبات المفروضة عليها، والطائفة الشيعية جزءٌ أساسيّ من الجسم اللبناني وليست غريبة عنه”.

بيان ثلاثي في بعبدا

وكان الرئيس عون عقد اجتماعاً استثنائياً في القصر الجمهوري في بعبدا، مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، من أجل مواكبة الانسحاب الاسرائيلي.

وأكد المجتمعون الموقف الوطني الموحد للدولة اللبنانية، مشددين على ضرورة الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، التزاماً بالمواثيق والشرع الدولية، وبقرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمها القرار 1701. كما جددوا تأكيد التزام لبنان الكامل بهذا القرار بكامل مندرجاته وبلا أي استثناء، في وقت يواصل فيه الجانب الاسرائيلي انتهاكاته المتكررة له وتجاوزه لبنوده.

كما شدد المجتمعون على دور الجيش اللبناني واستعداده التام وجهوزيته الكاملة لاستلام مهامه كافة على الحدود الدولية المعترف بها، بما يحفظ السيادة الوطنية ويحمي أبناء الجنوب اللبنانيين، ويضمن أمنهم واستقرارهم. كما ذكر المجتمعون بالبيان المشترك الصادر عن رئيسي كل من الولايات المتحدة وفرنسا، عشية إعلان “وقف الأعمال العدائية والالتزامات ذات الصلة بشأن تعزيز الترتيبات الأمنية وتنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701″، في 26 تشرين الثاني 2024 “… وبناءً عليه، وإزاء تمادي اسرائيل في تنصلها من التزاماتها وتعنّتها في نكثها بالتعهدات الدولية، يعلن المجتمعون ما يلي:

1- التوجه إلى مجلس الأمن الدولي، الذي أقر القرار 1701، لمطالبته باتخاذ الاجراءات اللازمة لمعالجة الخروق الاسرائيلية وإلزام إسرائيل بالانسحاب الفوري حتى الحدود الدولية، وفقاً لما يقتضيه القرار الأممي، كما “الإعلان” ذو الصلة.

2 – اعتبار استمرار الوجود الاسرائيلي في أي شبر من الأراضي اللبنانية احتلالًا، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية وفق الشرعية الدولية.

3 – استكمال العمل والمطالبة، عبر “اللجنة التقنية العسكرية للبنان”، و”الآلية الثلاثية”، اللتين نص عليهما “إعلان 27 تشرين الثاني 2024″، من أجل تطبيق الإعلان كاملاً.

4- متابعة التفاوض مع لجنة المراقبة الدولية والصليب الأحمر الدولي من أجل تحرير الأسرى اللبنانيين المحتجزين لدى إسرائيل.

ختاماً، أكد المجتمعون، تمسك الدولة اللبنانية بحقوقها الوطنية كاملة وسيادتها على كامل أراضيها، والتأكيد على حق لبنان باعتماد كل الوسائل لانسحاب العدو الاسرائيلي.

الأمم المتحدة تشدد على الـ 1701

إلى ذلك، دعت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان، جينين هينيس-بلاسخارت، وقائد قوة “اليونيفيل” الجنرال أرولدو لاثارو، في بيان مشترك، إلى التزام لبنان وإسرائيل بتطبيق تفاهم وقف الأعمال العدائية الصادر في تشرين الأول 2024، والذي يقضي بانسحاب الجيش الاسرائيلي إلى جنوب الخط الأزرق وانتشار القوات المسلحة اللبنانية في المواقع المقابلة.

وأكد البيان أن أي تأخير إضافي يشكل انتهاكاً لقرار مجلس الأمن 1701 (2006)، لكنه أشاد بالتقدم المحرز، بما في ذلك انسحاب الجيش الاسرائيلي من المراكز السكانية وانتشار الجيش اللبناني في ظروف صعبة لدعم عودة المجتمعات المحلية.

كما أشار إلى عزم الرئيس اللبناني الجديد والحكومة على بسط سلطة الدولة في الجنوب وتعزيز الاستقرار، داعياً إلى دعم دولي ثابت لتحقيق ذلك.

وشدد البيان على أن تحقيق الأمن والاستقرار يتطلب التزاماً سياسياً مستداماً من الجانبين. ودعت الأمم المتحدة إلى تنفيذ تفاهم تشرين الثاني والقرار 1701 بالكامل، مؤكدة استعدادها لدعم هذه الجهود.

شارك المقال