في مشهد لم يكن مجرد جنازة، بل ساحة مواجهة سياسية وعسكرية، واكبت إسرائيل تشييع الأمين العام السابق لـ “حزب الله” حسن نصر الله بتصعيد عسكري ورسائل تهديد واضحة، تعكس إصرارها على فرض معادلة جديدة في لبنان. فمنذ لحظة الاعلان عن التشييع، تحركت إسرائيل ليس لاستهداف مواقع الحزب في جنوب لبنان وشرقه وحسب، بل أيضاً لفرض هيمنة جوية على بيروت، في استعراض قوة أرادت من خلاله التأكيد أنها صاحبة القرار في أجواء لبنان، وأن “حزب الله”، على الرغم من حضوره الشعبي والعسكري، يبقى تحت قبضتها.
لم يكن تحليق الطيران الحربي الاسرائيلي فوق بيروت وضاحيتها الجنوبية مجرد استفزاز عابر، بل كان إعلاناً بصوت مدوٍ: إسرائيل لن تسمح بإعادة بناء قوة الحزب، ولن تتيح له فرصة استعادة أنفاسه بعد الضربة القاصمة التي تلقاها بمقتل نصر الله. وبالتزامن مع هذا التصعيد، كثّفت إسرائيل غاراتها على مواقع الحزب، مستهدفة البنى التحتية التي تقول إنها تُستخدم لنقل الأسلحة والذخائر من إيران عبر سوريا. هذا التحرك لم يكن مجرد ردٍّ عسكري، بل كان رسالة استراتيجية مزدوجة: لا عودة إلى ما قبل اغتيال نصر الله، ولا فرصة للحزب لإعادة تسليح نفسه من دون تكلفة باهظة.
عون: لبنان تعب من حروب الأخرين
قبيل مشاركته في تشييع نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، سمع الوفد الايراني الرسمي، برئاسة رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، كلاماً حازماً من رئيس الجمهورية جوزاف عون: “لبنان تعب من حروب الآخرين، ووحدة اللبنانيين هي أفضل مواجهة لأي خسارة أو عدوان”. وأضاف: “لبنان دفع ثمناً كبيراً من أجل القضية الفلسطينية”.
وأكد الرئيس عون دعمه لما صدر عن قمة الرياض الأخيرة بالنسبة إلى حل الدولتين.
أما قاليباف فقال إنه يدعم أي قرار يتخذه لبنان بعيداً عن أي تدخل خارجي في شؤونه، مؤكداً أن “طهران مستعدة للمشاركة مع دول عربية وإسلامية في إعادة إعمار ما هدّمه العدوان الاسرائيلي”.
جنازة تحت القصف والاستفزاز
مع بدء توافد عشرات الآلاف من المشيعين إلى ملعب كميل شمعون الرياضي، حلّقت الطائرات الحربية الاسرائيلية على علو منخفض، وشنّ الجيش الاسرائيلي غارات جوية استهدفت مواقع تابعة لـ”حزب الله” في جنوب لبنان وشرقه، زاعماً احتواءها على منصات صاروخية وذخائر كانت معدّة للاستخدام ضد إسرائيل.
لم يكن هذا القصف معزولاً عن الحدث، بل كان متعمداً ليشكّل خلفية نارية لمراسم التشييع، في رسالة مباشرة إلى الحزب وإيران بأن يد إسرائيل لا تزال طويلة، وأن أي محاولة لتعزيز القدرات العسكرية للحزب ستُواجه بردّ سريع وحاسم.
وأعلن وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس، بعد ظهر الأحد، في بيان، أن “مقاتلات لسلاح الجو الاسرائيلي تحلق حالياً فوق بيروت خلال تشييع حسن نصر الله لتوجيه رسالة واضحة: أي طرف يهدد بتدمير إسرائيل ويهاجمها سيلقى نهايته”.
وأكد المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي، أفيخاي أدرعي، أن “تحليق الطيران فوق بيروت وتوجيه الضربات العسكرية في الجنوب هو تذكير دائم لمن يعتقد أنه قادر على تهديد إسرائيل بأن الحساب مفتوح، واليد على الزناد”.
الهجوم الاعلامي: اغتيال نصر الله لم يكن كافياً
ولم تكتفِ إسرائيل بالمواجهة العسكرية، بل شنت حرباً نفسية وإعلامية موازية، مستهدفة الحزب وجمهوره. ففي خطوة استعراضية، نشر أدرعي، مقطع فيديو قال إنه يوثّق لحظة اغتيال نصر الله في الضاحية الجنوبية، مشيراً إلى أن العملية لم تكن مجرد “ضربة عسكرية”، بل “تصفية لزعيم جعل من لبنان رهينة لإيران”.
وفي سلسلة منشورات، سخر أدرعي من مشاعر الحزن التي عمّت صفوف أنصار “حزب الله”، متسائلاً: “على ماذا الحداد؟ على رجل حوّل لبنان إلى دولة فاشلة؟ على من باع مستقبلكم لإيران وجرّ البلاد إلى حروب عبثية؟”. كما استعاد خطابات نصر الله السابقة، مؤكداً أن “النهاية التي لقيها كانت متوقعة لمن يهدد إسرائيل”، وأن “كل العنتريات التي أطلقها لم تمنعه من المصير المحتوم”.
إيران ومحور المقاومة
على الجانب الآخر، لم تتأخر طهران وحلفاؤها في الرد على الاستفزاز الاسرائيلي. فقد تعهد المرشد الأعلى الايراني علي خامنئي، بمواصلة “المقاومة ضد إسرائيل”، مؤكداً أن “دماء نصر الله وصفي الدين لن تذهب سدى”.
تشييع تحت القصف
وعلى الرغم من القصف والتحليق الاسرائيلي الاستفزازي، احتشد عشرات الآلاف في ملعب كميل شمعون الرياضي، حاملين صور نصر الله ورايات الحزب الصفر، في استعراض للقوة الشعبية. وتعهد الأمين العام الجديد، نعيم قاسم، بالسير على خطى سلفه، مؤكداً أن الحزب سيواصل القتال “حتى تحرير الأرض”، في إشارة واضحة إلى أن المواجهة مع إسرائيل لم تنتهِ بمقتل نصر الله، بل ربما تدخل مرحلة جديدة أكثر تصعيداً.
وقال قاسم في خطابه: “لن ترعبنا طائراتكم، ولن تثنينا تهديداتكم. نحن باقون على العهد، ومستعدون لكل الاحتمالات”. هذا التحدي العلني، وسط أجواء القصف والتحليق الاسرائيلي، يعكس قرار الحزب بالمضي في نهجه القتالي من دون تراجع.


