العهد ينشد الثقة… في البرلمان والسعودية

لبنان الكبير / مانشيت

الآن وقد صار “التشييع”، بكل موجباته وتحدياته، خلفنا بانتظار أن يحسم “حزب الله” خياره المفصلي بالعودة الى الوطن والانخراط في مشروع الدولة… صار بالإمكان التركيز على امتلاك العهد الجديد الثقة الكافية لبدء مغامرة الاصلاح والتعافي، داخلياً في مجلس النواب وعلى مدى يومين، وخارجياً وأولاً عبر المملكة العربية السعودية التي ستكون الوجهة الأولى للرئيس جوزاف عون في زيارة حافلة بالاحتمالات الايجابية للبنان الذي سيحصد من الاحتضان السعودي القوي فوائد كبيرة وبسرعة لنعود الى رؤية الأشقاء الخليجيين في ربوعنا ما يبشر بصيف سياحي ممتاز.

وعلم “لبنان الكبير” أن الرئيس عون سيقوم بزيارته الخارجية الأولى إلى المملكة العربية السعودية مطلع الأسبوع المقبل، يرافقه وفد وزاري رفيع المستوى، في خطوة تعكس الأولوية التي يمنحها العهد الجديد للعلاقات مع الرياض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه لبنان. ومن المتوقع أن يجري عون لقاءات مع القيادة السعودية، قبل أن يتوجه إلى القاهرة للمشاركة في القمة العربية، فيما يُرتقب أن تتوّج هذه الزيارة بإعادة فتح الأبواب أمام عودة السعوديين إلى لبنان، ما لم تطرأ أي مستجدات سلبية تعوق ذلك، بحيث تشير المؤشرات الحالية إلى أجواء إيجابية تصب في مصلحة تعزيز التعاون بين البلدين.

وفي موازاة زيارة الرئيس عون، يعمل رئيس الحكومة نواف سلام على وضع اللمسات الأخيرة لاتفاقيات اقتصادية وتنموية مع السعودية، على أن تتوّج بزيارة رسمية بعد شهر رمضان المبارك، يرافقه فيها وفد وزاري، بهدف إعادة لبنان إلى المسار الطبيعي من خلال مشاريع تنموية واستثمارات خليجية قد تساهم في إنعاش الاقتصاد المتعثر.

على الصعيد الأمني، تستعد السلطات اللبنانية لاتخاذ إجراءات مشددة، تشمل تعزيز الانتشار الأمني على الطرقات الرئيسية، بهدف طمأنة الزوار والمستثمرين العرب، في خطوة تندرج ضمن مساعي تقديم صورة مستقرة عن البلاد، وسط توقعات بعودة قوية للسياحة الخليجية خلال الصيف المقبل، بل واحتمالات إعادة تفعيل شرطة السياحة لضمان توفير بيئة آمنة ومريحة للوافدين.

وبينما تنطلق اليوم جلسات مناقشة البيان الوزاري لمنح الثقة لحكومة العهد الأولى، والتي من المتوقع أن تشهد مناقشات برلمانية مستفيضة في ملف السلاح خارج إطار الدولة واستطراداً حصر قرار السلم والحرب بيدها استناداً الى القرار الدولي 1701، يواجه “حزب الله” لحظة مفصلية في تاريخه السياسي، اذ يبدو أنه يسير نحو إعادة تموضع داخلي، بعد أكثر من أربعة عقود من العمل العسكري والتدخل الاقليمي. فقد جاء خطاب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم محمّلاً برسائل غير مسبوقة، أبرزها التخلي عن ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، وترك ملف الخروق الاسرائيلية للدولة اللبنانية للتحرك ديبلوماسياً.

هذه النبرة الجديدة تعكس تحولاً جذرياً في مقاربة الحزب للدور الذي يمكن أن يلعبه في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع تراجع نفوذه الاقليمي تحت وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية، ورغبته في التكيف مع الواقع اللبناني، استعداداً للانخراط في مشروع الدولة. ويرى المراقبون أن هذه التحولات لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة تقييم داخلي أجراه الحزب لمواقفه الاقليمية، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، والتي كبّدت لبنان خسائر جسيمة، وجعلت الحاجة إلى استقرار داخلي أمراً ملحاً.

لطالما شكلت الاستراتيجية الدفاعية ملفاً شائكاً في المشهد السياسي اللبناني، بحيث اعتُبرت المدخل الأساسي لتنظيم وضع سلاح “حزب الله” تحت سلطة الدولة. إلا أن المتغيرات الأخيرة، خصوصاً بعد الحرب مع إسرائيل، جعلت الحزب نفسه يطرح هذا الملف كأولوية، في خطوة تعكس رغبته في إعادة التموضع داخلياً.

لكن القوى السيادية، وعلى رأسها حزبا “الكتائب” و”القوات اللبنانية”، ترفض أي مقاربة تبقي على ازدواجية السلاح، خصوصاً بعد تشديد رئيس الجمهورية في خطاب القسم على حصرية قرار الدفاع عن لبنان بيد الدولة وحدها. وكان البيان الوزاري للحكومة الجديدة شدد على ضرورة حصر السلاح بالمؤسسات العسكرية الشرعية، ما يضع “حزب الله” أمام اختبار حقيقي حول مدى استعداده للاندماج الفعلي في مشروع الدولة.

الى ذلك، حملت مراسم تشييع الأمينين العامين السابقين لـ”حزب الله”، حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، دلالات سياسية لافتة، ولا سيما مع الحضور الايراني البارز عبر رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. وبحسب ما نقلت وسائل الاعلام عن مصادر سياسية، فإن إيران حرصت على إرسال رسائل تهدئة عبر هذه المشاركة، مؤكدة أنها تدعم استقرار لبنان، ومستعدة للتعاون مع الرئاسات الثلاث في بيروت، بعيداً عن أي تدخلات مباشرة.

وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلت عن شخص مقرّب من “حزب الله” أن مذكرة داخلية تم توزيعها على وحداته القتالية، تأمر المسلحين الذين لم يكونوا أصلاً من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني في جنوب لبنان بإخلاء مواقعهم، وأن قوات الجيش اللبناني ستسيطر على المنطقة وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار.

وقال: “لقد تكبّد الحزب خسائر فادحة”، بحيث تم تفكيك بعض الوحدات العسكرية بالكامل. لكن “حزب الله” أعاد ملء صفوفه جزئياً بمقاتلين كانوا متمركزين في سوريا، مع إعادة هيكلة بعض الوحدات الجاهزة لأي استئناف للقتال، مضيفاً: “لقد ضعفت الجماعة، لكنها لم تُهزم”.

شارك المقال