غرق في الطرقات والتعيينات… تباين بين “الحزب” وإيران

لبنان الكبير / مانشيت

مرة جديدة، يجد لبنان نفسه غارقاً، لكن ليس تحت وطأة الأمطار الغزيرة التي حولت شوارعه إلى أنهار وحسب، بل أيضاً في مستنقع التعقيدات السياسية التي تعطل أي محاولة للخروج من أزماته المتشابكة. في شوارع بيروت وضواحيها، اجتاحت السيول الطرقات، واحتُجز المواطنون في سياراتهم وسط مشهد يعيد التذكير بأن البنية التحتية ليست سوى قنبلة موقوتة تنفجر مع أول اختبار طبيعي. أما في أروقة الحكم، فالمشهد ليس أقل ارتباكاً، بحيث تبدو الحكومة محاصرة بين حسابات التعيينات والتجاذبات السياسية، فيما يتصاعد التوتر جنوباً على وقع غارات إسرائيلية متواصلة.

على صعيد آخر، وفي تطور لافت برز تباين في الخطاب بين إيران و”حزب الله” حول مسألة قرار الحرب والسلم. ففي حين أكد مستشار المرشد الايراني علي أكبر ولايتي، أن الحزب “سيواصل مسيرة المقاومة بقوة”، في إشارة إلى موقف إيران الثابت من دعم الحزب عسكرياً، بدا عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله أكثر حذراً، بتشديده على أن “حزب الل”” مع أن تمتلك الدولة اللبنانية قرار الحرب والسلم، لكنه لم يُعارض اتخاذ الحكومة قراراً بالتصعيد إذا رأت أن الأرض محتلة.

هذا الاختلاف في اللهجة يعكس تمايزاً بين الجناح السياسي للحزب، الذي يحاول الموازنة بين الالتزام بالمقاومة وعدم استدراج لبنان إلى حرب مفتوحة، والجناح العسكري الذي يواصل التصعيد. سبقت هذه التباينات تصريحات نارية للنائب نواف الموسوي، حملت دلالات على وجود خلاف داخل الحزب حول استراتيجيته في المرحلة المقبلة.

طرقات تغرق وسلام يحقق

لم تكن العاصفة التي اجتاحت بيروت مفاجئة، لكن تداعياتها كانت كارثية. الأمطار التي هطلت خلال ساعات معدودة كشفت هشاشة البنية التحتية، بحيث غمرت السيول أوتوستراد سن الفيل – البوشرية وميرنا الشالوحي، وتسببت في زحمة خانقة شلّت العاصمة. مقاطع الفيديو التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت مشاهد سيارات عالقة وسط المياه، فيما سارع رئيس الحكومة نواف سلام إلى الاتصال بوزير الأشغال العامة والنقل، مطالباً بفتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات، في مشهد يتكرر مع كل كارثة طبيعية من دون أن يفضي إلى أي محاسبة حقيقية.

عون يسعى إلى نفضة في التعيينات

من الغرق في الطرقات إلى الغرق في التعيينات، تنعقد أولى الجلسات الفعلية للحكومة وسط مناخ سياسي مشحون، بحيث لم تنجح بعد في حسم ملف التعيينات العالق منذ شهور. فمن حاكمية مصرف لبنان إلى قيادة الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية، يبدو أن كل منصب بات ميداناً لمعركة نفوذ بين القوى السياسية. وعلى الرغم من إعلان وزير المال ياسين جابر أن تعيين الحاكم الجديد سيتم قبل نهاية آذار الجاري، فإن الانقسامات السياسية قد تؤخر هذا الاستحقاق أكثر.

رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يسعى إلى “نفضة كاملة” في التعيينات، بحيث يتم استبدال الأسماء القديمة بأخرى جديدة لم تتورط في الفساد. لكن هذا التوجه يصطدم بمعارضة قوى سياسية تصرّ على الحفاظ على مواقعها في الدولة. الجديد في هذه الجولة أن خيار التصويت داخل مجلس الوزراء بات مطروحاً، وهو سيناريو نادر في المشهد السياسي اللبناني حيث كان التوافق المسبق هو القاعدة.

جنوب مشتعل وتهديدات إسرائيلية متواصلة

وفيما تنشغل الحكومة بالأزمات الداخلية، يستمر التصعيد الاسرائيلي في الجنوب، حيث شنت الطائرات المسيرة غارات على رأس الناقورة، مستهدفة سيارة كان بداخلها شقيقان يعملان في جمع الخردة. وكعادتها، بررت إسرائيل الهجوم بذرائع أمنية، زاعمة أن المستهدفين كانا ينقلان أسلحة. لكن الواقع على الأرض يشير إلى محاولات ممنهجة لفرض “منطقة عازلة بالنار”، عبر تكثيف الغارات ومنع الأهالي من العودة إلى بلداتهم.

وكان الطيران الحربي نفذ عملية اغتيال في بلدة رشكنانيه استهدفت القيادي في “حزب الله” خضر هاشم، المسؤول عن القوة البحرية في وحدة “الرضوان”. هذا التصعيد يرسل رسالة واضحة بأن إسرائيل لن تلتزم تماماً بوقف إطلاق النار، وهي مستمرة في ملاحقة قيادات الحزب على الرغم من الهدنة المعلنة منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

شارك المقال