في أروقة القصور الرسمية، وبين جدران السراي الحكومي، تدور واحدة من أكثر الجولات التفاوضية حساسية في تاريخ لبنان الحديث. إنها جولة مصيرية مع صندوق النقد الدولي، حيث يقف لبنان عند منعطف دقيق بين السير نحو الإنقاذ الاقتصادي أو السقوط في دوامة الانهيار الشامل. بعد سنوات من الأزمة المالية التي أرهقت الشعب اللبناني، تعود المحادثات مع صندوق النقد إلى الواجهة، وسط ضغوط داخلية وخارجية لبلورة خطة إصلاحية شاملة تمهّد الطريق لحصول لبنان على المساعدات الدولية المنتظرة.
المشهد السياسي بدا واضحاً: لقاءات متتالية، تصريحات مطمئنة، والتزام رسمي بتنفيذ الاصلاحات، لكنّ العبرة تبقى في التطبيق. فلبنان، الذي غرق في أزماته بسبب عقود من السياسات العشوائية والفساد المستشري، لم يعد أمامه ترف التأجيل. الاصلاحات لم تعد مطلباً دولياً فحسب، بل باتت ضرورة وطنية، وهي السبيل الوحيد لاستعادة الاستقرار المالي والاقتصادي، وإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة ومواطنيها، وبين لبنان والعالم.
في خضم انشغال الدولة اللبنانية بمحاولات إيجاد حلول لأزمتها الاقتصادية العميقة، تواصل إسرائيل استغلال حالة الفوضى الداخلية لتعزيز نفوذها وفرض وقائع جديدة. فمن الضغوط العسكرية المتزايدة إلى التسريبات السياسية المدروسة، تسعى تل أبيب إلى تكريس أمر واقع، سواء عبر الإبقاء على احتلالها لمناطق لبنانية أو من خلال تكريس حرية حركتها في الأجواء والمياه الاقليمية. كل ذلك يأتي في سياق تسريبات تتحدث عن مخططات تهدف إلى دفع لبنان تدريجياً نحو مسار التطبيع.
لقاء بعبدا: صندوق النقد يرسم خريطة طريق
استقبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وفد بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة أرنستو راميرز ريغو، وطُرحت في اللقاء رؤية الصندوق لإخراج لبنان من أزمته المالية والاقتصادية. ووفقاً لريغو، فإن الحل يبدأ بوضع خطة إصلاحية مالية موحدة، تشمل إجراءات هيكلية عميقة في القطاعات المصرفية والنقدية والمالية، مع ضرورة التنسيق الكامل بين الحكومة اللبنانية، مصرف لبنان، والسلطة التشريعية، لضمان تنفيذ الاصلاحات بطريقة متماسكة تعيد الثقة إلى الأسواق والمستثمرين الدوليين.
وأشار رئيس البعثة إلى أن “لبنان يحتاج إلى رسالة واضحة للعالم تفيد بأن مساره الاقتصادي يسير باتجاه التعافي، وأن هناك إرادة سياسية جادّة لإنجاز التغييرات المطلوبة”، مؤكداً أن أي تأخير في اتخاذ القرارات الحاسمة سيُبقي البلاد في حالة من الشلل الاقتصادي.
أما الرئيس عون فشدد على أن الاصلاحات ليست مطلباً دولياً فحسب، بل هي حاجة داخلية مُلحّة لوقف النزيف المالي واستعادة ثقة المواطنين قبل المؤسسات الدولية، مؤكداً التزام لبنان بالتعاون مع الصندوق لإنجاز التغييرات المطلوبة، لا سيما في قطاعي المالية العامة والمصارف.
وضم وفد الصندوق إلى ريغو، المدير المقيم لصندوق النقد الدولي في لبنان فريديريكو ليما، والمدير التنفيذي محمد معيط، والمستشارة التنفيذية مايا شويري، الذين أعربوا عن استعداد الصندوق لتقديم الدعم الفني والتقني للحكومة اللبنانية في تنفيذ الاصلاحات.
عين التينة والسراي: تكثيف اللقاءات لوضع أسس الاتفاق
بعد بعبدا، انتقل الوفد إلى عين التينة حيث اجتمع برئيس مجلس النواب نبيه بري، في لقاء تناول ضرورة تحصين أي اتفاق مالي مع الصندوق بتوافق وطني، وإجراء التعديلات التشريعية المطلوبة لتمرير الاصلاحات اللازمة.
وفي السراي الحكومي، كان لرئيس الحكومة نواف سلام لقاء مطوّل مع الوفد، تناول مسألتي الاصلاحات والحوكمة، وضرورة تنفيذها بطريقة شفافة تضمن حسن إدارة الأموال العامة، في ظل الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة.
أما وزير المالية ياسين جابر فقال عقب لقائه وفد الصندوق: “عرضنا الأولويّات الأساسية، وعلى رأسها تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان، والذي سيؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع الصندوق وإدارة السياسة النقدية في المرحلة المقبلة”. وأشار إلى أن الحكومة بصدد إجراء تعديلات في قانون النقد والتسليف لتعزيز صلاحيات المصرف المركزي في إدارة الأزمة، معتبراً أن “كل الأطراف يجب أن تقوم بدورها للوصول إلى اتفاق شامل”.
وأكد جابر أن ملف الودائع العالقة في المصارف سيكون من الأولويات، لافتاً إلى أن الحلّ سيكون تدريجياً، وسيبدأ بحماية صغار المودعين، على أن يتم التعامل مع الودائع الكبيرة ضمن مراحل لاحقة.
البرلمان والمصادقة على الاتفاقيات
بالتوازي مع الاجتماعات الحكومية، عقدت لجنة المال والموازنة جلسة برئاسة النائب إبراهيم كنعان، وحضور وزير المالية، لمناقشة مشاريع القوانين المرتبطة بالاتفاقيات المالية مع المؤسسات الدولية. وأوضح كنعان بعد الاجتماع أن اللجنة ناقشت مشروع قرض وهبة من البنك الدولي وصندوق النقد بقيمة 34 مليون دولار مخصصة لتحديث الادارة المالية في لبنان. كما ناقشت مشروعاً لزيادة مساهمة لبنان في صندوق النقد بنسبة 50%، أي ما يعادل نصف مليار دولار، لتعزيز موقعه داخل المنظومة المالية العالمية.
لكن الخلافات السياسية لا تزال تشكل عقبة أمام أي تقدم ملموس، بحيث تُثار مخاوف من أن تعترض التجاذبات السياسية الداخلية تنفيذ الاصلاحات، كما حصل في محاولات سابقة لمكافحة الفساد وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
استفزازات ميدانية وخرق الأجواء اللبنانية
شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً إسرائيلياً خطيراً على الحدود الجنوبية، حيث أطلقت القوات الاسرائيلية النار على المزارعين والعمال في بساتين سردا، في خطوة اعتُبرت محاولة لفرض منطقة عازلة غير معلنة. وفي تطور آخر، تقدمت دبابتا ميركافا نحو أطراف بلدة راميا، فيما كثّف الطيران المسيّر الاسرائيلي تحليقه في أجواء بيروت، الضاحية، جبل لبنان والجنوب، في رسالة استفزازية واضحة.
وفي مدينة بنت جبيل، بثّت طائرات الاستطلاع الاسرائيلية عبر مكبرات الصوت تسجيلات تحريضية ضد “حزب الله”، بالتزامن مع عمليات تمشيط نفذتها قوات الاحتلال بالأسلحة الرشاشة في مناطق متاخمة للحدود.
تسريبات عن التطبيع: مخطط إسرائيلي جديد؟
وسط هذه التوترات، فجّرت القناة 12 الاسرائيلية مفاجأة سياسية، اذ نقلت عن مصدر حكومي إسرائيلي قوله إن “المفاوضات مع لبنان حول الحدود ليست مجرد ملف تقني، بل تأتي ضمن خطة واسعة لإعادة تشكيل المشهد الاقليمي”. وأوضح المصدر أن “رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي غيّر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط عبر اتفاقات أبراهام، يسعى الآن إلى إدخال لبنان في مسار التطبيع، تماماً كما حدث مع دول عربية أخرى”.
وأضاف المصدر: “كما أن للبنان مطالبات حدودية، فإن لاسرائيل أيضاً مطالبها، وسوف نناقش كل شيء على الطاولة”.
هذا التصريح أثار ردود فعل متباينة في بيروت، حيث اعتبرته أوساط سياسية محاولة إسرائيلية لفرض أجندة جديدة، في وقت يعاني فيه لبنان من أزمات متعددة تجعل موقفه التفاوضي ضعيفاً.


