اسرائيل تفاوض لبنان بالنار… “الحزب” يحسم: سلاحنا باقٍ

لبنان الكبير / مانشيت

في ظل استمرار القصف الاسرائيلي والاحتلال العسكري لمواقع حدودية داخل الأراضي اللبنانية، أعلنت تل أبيب أنها مستعدة للتفاوض مع لبنان، ولكن “تحت النار”، وهو ما كشف بوضوح نيتها فرض واقع جديد على الأرض قبل أي اتفاق. وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس كان حاسماً حين قال إن جيشه “لن ينسحب من المواقع الخمسة التي احتلها وسيبقى هناك لفترة طويلة غير محددة، بغض النظر عن أي مفاوضات مستقبلية”.

لبنان الرسمي لم يتأخر في الرد، بحيث رفض هذه الطروح جملةً وتفصيلاً، مؤكداً أن أي تفاوض يجب أن يكون قائماً على قاعدة الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، بعيداً عن أي محاولات لفرض اتفاقات سياسية تتجاوز الاطار العسكري والتقني. وشدد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أن “لبنان لن يقبل تحت أي ظرف التخلي عن أي شبر من أرضه، وسيلجأ الى كل الوسائل المتاحة لحماية حقوقه السيادية وتحرير أراضيه المحتلة”.

وسط هذا المشهد، برز موقف “حزب الله” الذي اتخذ من القرار الاسرائيلي ذريعة جديدة لتبرير احتفاظه بسلاحه، رافضاً أي نقاش حول مسألة حصر السلاح بيد الدولة. فقد أعلن الحزب، على لسان نائب رئيس المجلس التنفيذي فيه الشيخ علي دعموش، أن “الاحتلال الاسرائيلي المستمر يشكل سبباً كافياً لبقاء سلاح المقاومة، وأن الدولة اللبنانية لم تثبت حتى الآن قدرتها على التصدي لهذا الاحتلال”.

تكتيك الضغط العسكري والتفاوض المتزامن

وفقاً لمصادر سياسية في تل أبيب، فإن الحكومة الاسرائيلية قررت أن تسير المفاوضات مع لبنان على وقع العمليات العسكرية، في محاولة لفرض معادلة جديدة على الحدود الشمالية، بحيث أعلنت إسرائيل رسمياً أنها لن تنسحب من المواقع الخمسة التي تحتلها في لبنان، بل ستواصل تعزيزها بالقوات والعتاد، معتبرة أن السيطرة عليها “أمر ضروري لأمن مستوطني الشمال”، الذين بدأوا بالعودة إلى بيوتهم بعد 16 شهراً من النزوح القسري.

القرار الاسرائيلي جاء بعد جلسة تقييم استراتيجي ترأسها وزير الدفاع بحضور رئيس الأركان إيال زامير وكبار الجنرالات في الجيش والاستخبارات. وتم الاتفاق على أن تبقى القوات الاسرائيلية في هذه المواقع لأجل غير محدد، مع تصعيد عمليات القصف والاستهداف المباشر ضد أي محاولة لـ “حزب الله” لإعادة التموضع أو نقل السلاح إلى جنوب الليطاني.

وفي إطار هذه السياسة، شنت الطائرات الحربية الاسرائيلية غارات جوية استمرت أربع ساعات على الحدود السورية – اللبنانية، مستهدفة، وفق الرواية الاسرائيلية، “كمينًا لحزب الله” كان يهدف إلى نقل شحنة أسلحة وذخائر من سوريا إلى لبنان.

لبنان الرسمي يرفض التفاوض تحت الضغط

في المقابل، أبدى لبنان الرسمي موقفاً صارماً تجاه المحاولات الاسرائيلية لفرض معادلات جديدة على الأرض، مشدداً على أن المفاوضات يجب أن تنحصر في ترسيم الحدود البرية وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تواصل إسرائيل خرقه عبر احتلالها لمواقع لبنانية واستهدافها المستمر للمناطق الحدودية.

وأكد الجانب اللبناني خلال الجولة الأولى من المحادثات في رأس الناقورة، والتي جرت بمشاركة أميركية وفرنسية، أن إسرائيل هي الجهة التي تنتهك السيادة اللبنانية، مطالباً بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي من دون شروط مسبقة.

لكن تل أبيب تسعى إلى تحويل المفاوضات إلى “حوار شامل” يتجاوز الحدود البرية، ويصل إلى مسألة التطبيع مع لبنان، ضمن سياق توسيع اتفاقيات إبراهيم التي عقدتها مع عدد من الدول العربية. وهو ما ترفضه بيروت بشدة، وسط موقف داخلي متماسك رافض لأي تنازلات سياسية لصالح إسرائيل.

وقال وزير الطاقة الاسرائيلي إيلي كوهين في مقابلة مع “قناة 14” العبرية اليمينية: “من المبكر الحديث عن تطبيع مع لبنان. علينا أولاً أن نتعامل مع إيران، وننتظر أن ينجح الرئيس دونالد ترامب في إكمال المهمة، باتفاق أو بطريقة أخرى. وإذا لم يفعلها ترامب، فنحن سنفعل ذلك. فقط عندها يمكن الحديث عن أي خطوة باتجاه التطبيع”.

بري: لبنان لن يقبل التخلي عن أي شبر من أرضه

وأكد الرئيس برّي أن لبنان “لن يقبل تحت أي ظرف من الظروف، ومهما بلغت الضغوط، التخلي عن أي شبر من أرضه أو ذرة من ترابه أو حق من حقوقه السيادية، وسوف يلجأ الى كل الوسائل المتاحة لحماية هذه الحقوق وصونها وتحرير ما تبقى من أرضنا من الاحتلال الاسرائيلي”.

وقال بري خلال استقباله وفداً من الهيئة الادارية الجديدة لـ “جمعية التخصص والتوجيه العلمي”، إن “حفظ لبنان من حفظ الجنوب، وحفظه هو مسؤولية وطنية جامعة، ويجب أن تكون نقطة إجماع ووحدة وليس نقطة افتراق”.

وأضاف بري: “صدقوني إذا كنا موحدين نستطيع تجاوز أي تحدٍّ يمكن أن يواجه لبنان. بالوحدة انتصرنا وبالانقسام والتشرذم عانى لبنان ما عاناه من ويلات ومخاطر هددت وطننا بأساس وجوده. واليوم أكثر من أي وقت مضى الجميع مدعوّ إلى ترسيخ مناخات الوحدة، واستحضار كل العناوين التي تقرّب بين اللبنانيين والابتعاد عن كل ما يباعد بينهم”.

“حزب الله”: لا لحصر السلاح بيد الدولة

في موازاة ذلك، أكد “حزب الله” أنه لن يسمح لاسرائيل بفرض قواعد اشتباك جديدة، وأن الحديث عن نزع السلاح أو فرض منطقة منزوعة السلاح جنوب الليطاني “مجرد أوهام” لن تتحقق طالما أن الاحتلال الاسرائيلي مستمر في انتهاك السيادة اللبنانية.

واعتبر نائب رئيس المجلس التنفيذي في الحزب الشيخ علي دعموش أن “هناك احتلالاً ولا يمكن حصر السلاح بيد الدولة طالما هناك احتلال، وعندما يكون هناك ‏احتلال وعدوان مستمر فإن السلاح هو زينة الرجال وعلى الجميع أن يتصدى لهذا الاحتلال وبكل ‏الوسائل، وهذا حق لا يمكن أن نتخلى عنه مهما كانت التضحيات”.

وقال في خطبة الجمعة: “تقولون إن الدولة هي التي تحمي البلد وهي التي تدافع عن الوطن ويجب حصر السلاح بيد ‏الدولة، تفضلوا اليوم الدولة هي الموجودة على طول الحدود ولديها الفرصة لكي تمارس دورها ‏وبيدها السلاح ومعها لجنة الاشراف على اتفاق وقف إطلاق النار ومعها المجتمع الدولي أيضاً، فماذا ‏فعلتم حتى الآن أمام الخروق والاعتداءات اليومية الاسرائيلية؟ على الأقل أقنعونا بجدوى حصرية ‏السلاح بيد الدولة”.‏

المشهد السياسي في الداخل اللبناني

وسط هذه الأجواء المتوترة، تشهد الساحة السياسية اللبنانية حراكاً مكثفاً لمتابعة التطورات على الحدود، وتأثيراتها على الوضع الداخلي. وترأس رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعاً موسعاً في السراي الحكومي، تناول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وشبكات الأمان الاجتماعي، وسط تأكيد على ضرورة تعزيز الاصلاحات الاقتصادية والشفافية، في ظل الأوضاع المعيشية المتدهورة.

في الموازاة، انعقد لقاء سياسي بارز في دارة الرئيس نجيب ميقاتي بمدينة الميناء، ضم رؤساء الحكومة السابقين، ونواباً ووزراء سابقين، إضافة إلى شخصيات سياسية وروحية، وتم البحث في تداعيات الأحداث في سوريا على الداخل اللبناني، خصوصاً مع تزايد تدفق النازحين إلى شمال البلاد.

وحذر المجتمعون في بيان من خطورة استمرار تدفق النازحين، داعين الدولة اللبنانية إلى التنسيق مع المنظمات الدولية لمواجهة هذه الأزمة. كما شددوا على رفض أي محاولة “لفرض التطبيع مع النظام السوري تحت ذريعة عودة النازحين”، مؤكدين أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم وفق المعايير الدولية، بما يحفظ مصالح لبنان وسيادته.

شارك المقال