لم تكن الذكرى الـ 48 لاغتيال المعلم والزعيم كمال جنبلاط كسابقاتها هذا العام، اذ شهدت المختارة يوماً إستثنائياً ذكرها بلحظة الاغتيال والحشود الكبيرة التي تجمعت يومها لا تريد تصديق الخبر، وهذه المشهدية تكررت بالأمس، فالوجود السياسي والديبلوماسي كان من كل الأطياف، الى جانب الحشود الشعبية التي أتت منذ ساعات الصباح الأولى. والأهم توقيت هذه الذكرى، التي جاءت بعد سقوط النظام السوري البائد، وإلقاء القبض على إبراهيم حويجة المسؤول عن إغتيال جنبلاط. وصحيح أن هذه الأحداث تعزز فكرة أن العدالة التاريخية تأخذ مجراها ولو بعد حين، لكن لا يمكن تناسي أن الذكرى الـ 48 تتزامن هذا العام مع الأحداث الخطيرة الحاصلة في جنوب سوريا، وسط تهديد كبير للهوية القومية والوطنية لدروز سوريا، والدور الكبير الذي يلعبه رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط لمنع المكائد الاسرائيلية والتحذير من خطورتها والوقوف في وجهها.
وعلى الرغم من أن الحدث الأكبر شهدته المختارة أمس، كان لافتاً شن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضربات عسكرية واسعة النطاق على جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن خلال اليومين الماضيين، رداً على هجمات الجماعة على حركة الشحن في البحر الأحمر ما أسفر عن مقتل 31 شخصاً على الأقل، وسط توقعات بأن تستمر هذه المواجهة عدة أيام.
وسارع “حزب الله” الى إعلان تضامنه مع اليمن في وجه مخططات ترامب وسط تخوف كبير من جبهة إسناد جديدة تدمر لبنان كسابقتها. واعتبر الحزب أن “هذا العدوان الهمجي جريمة حرب وانتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية”.
ولم يقتصر هذا التضامن على “حزب الله”، فقد أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أن وزيرها سيرغي لافروف شدد في إتصال هاتفي مع نظيره الأميركي ماركو روبيو على “الحاجة إلى وقف فوري لاستخدام القوة وأهمية مشاركة كل الأطراف في حوار سياسي من أجل التوصل إلى حل يمنع المزيد من إراقة الدماء”.
بالعودة الى المختارة، شدد جنبلاط أمس على يوم المصالحة التاريخي برعاية البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، معتبراً أن هذا الحدث أساس للعلاقات اللبنانية – اللبنانية فوق الانقسامات السياسية كما كانت حالة جبل لبنان أيام سيدة القصر نظيرة جنبلاط.
ودعا الى “التمسك بالهوية العربية للبنان، هوية شوّهتها أنظمة القمع والاستبداد والمخابرات، وأهمية تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي ومتابعة ترسيم الحدود حفاظاً على القرارات الدولية وعلى السيادة، واعادة اعمار الجنوب من خلال وضع آلية موثوقة عربياً ودولياً، واعادة بناء العلاقات اللبنانية – السورية على قواعد جديدة وترسيم الحدود براً وبحراً، والتمسك بالحقوق الفلسطينية المشروعة وفي مقدمها حل الدولتين والتأكيد على حق العودة والتمسك باتفاق الهدنة”.
وتوجه جنبلاط الى بني معروف بالقول: “في مئوية سلطان الأطرش حافظوا على هويتكم العربية وعلى تاريخكم النضالي المشترك مع الوطنيين العرب والسوريين في مواجهة الاستعمار والانتداب، في مواجهة احتلال الأرض في الجولان السوري. حافظوا على تراثكم الاسلامي واحذروا من استخدام البعض منكم من أجل تقسيم سوريا. حافظوا على ارثكم الفكري والنضالي والسياسي”.
وفي ذكرى استشهاد كمال جنبلاط، استذكر رئيس الجمهورية جوزاف عون “زعيماً كبيراً في لبنان، ومناضلاً مؤمناً بحق فلسطين، ومفكراً مشعاً على المنطقة والعالم، وشهيداً في سبيل الحرية والتحرر من ذلك السجن الكبير”.
وأضاف عون: “نستذكر معه، كما قال اليوم بالذات نجله الزعيم وليد جنبلاط، الشهداء الأبرياء من أبناء المنطقة وخارجها، الذين سقطوا ظلماً وغدراً، إثر تلك الجريمة البشعة التي شكّلت محطة دامية في تاريخ لبنان السياسي”. وأكد أن “من تلك الدماء والأيام، نتعلم أن لبنان، الدولة الجامعة، المنبثقة من إراداتنا الموحدة، هو حمايتنا الأكيدة والوحيدة”.
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فقال: “نستحضر تاريخاً طويلاً من النضال المشترك مع وليد بك في سبيل وحدة لبنان وانتمائه العربي ورفض الاحتلال الاسرائيلي”. وتوجه الى أبناء الجبل وطائفة الموحدين بالقول: “أنتم مدعوون، كما كنتم دائماً أوفياء لتاريخكم، إلى تأكيد موقفكم الراسخ بالحفاظ على الانتماء العربي والاسلامي وحرصكم على أن تكونوا جزءاً لا يتجزأ من الدولة إن في سوريا أو في لبنان والبقاء دوماً إلى جانب فلسطين وقضيتها العادلة وعدم الوقوع في فخ مخططات العدو، وهو ما شكّل ضمانته على الدوام دور وموقع وليد بك جنبلاط المؤتمن على هذا الارث الكبير وخيار أهلها الأوحد في الشرق المتنوع والمضطرب”.
الى ذلك، تتجه الأنظار الى الجلسة الحكومية غير العادية التي ستعقد وستكون مقتصرة على التباحث في آلية التعيينات الادارية، وسط ترجيحات أن تكون يوم الخميس المقبل ومن الممكن أن يعيّن فيها حاكم مصرف لبنان الذي سيخلف الحاكم السابق رياض سلامة.
في سياق منفصل، تستمر الخروق الاسرائيلية تجاه لبنان، وسط إعتداء جديد هو الرابع من نوعه خلال الساعات الـ24 الأخيرة، تمثّل باستهداف مسيّرة سيارة في بلدة ميس الجبل. كما أغار الطيران الحربي على أطراف بلدة عيناتا في قضاء بنت جبيل، ما أدى الى سقوط ضحيتين، بحسب بيان صدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة.
وفي أول تعليق إسرائيلي على الاستهدافات المتنقّلة جنوبي لبنان، خلال الساعات الأخيرة، قال المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر حسابه الخاص على منصة “اكس”، إنّ “الجيش قضى على مسلّحَين اثنَين من حزب الله كانا يهمّان بأعمال استطلاع وتوجيه عمليات في منطقتَي ياطر وميس الجبل جنوب لبنان”.
في المقابل، أبلغ رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس رئيس جهاز الأمن الداخلي (شين بيت) أنه سيطلب من الحكومة إقالته. وقال في بيان: “بسبب استمرار انعدام الثقة، قررت أن أقدم اقتراحاً الى الحكومة بإنهاء مهمة رئيس الشين بيت رونين بار”.


