في زمنٍ تختلط فيه الحسابات السياسية بالمصالح الاقليمية، يواصل الجيش اللبناني معركته لترسيخ حضوره كحامٍ للحدود والسيادة، في مواجهة تحديات معقدة تمتد من التدخلات الخارجية إلى الخلافات الداخلية. وبينما شهدت بلدة حوش السيد علي الحدودية دخول الجيش بعد انسحاب القوات السورية، لم تمر هذه الخطوة من دون تداعيات، اذ واجه الجيش حملات تخوين واتهامات بالعمالة من بعض مناصري “حزب الله”، الذين هتفوا في وجهه “لبيك يا نصر الله”.
في هذا المشهد المتشابك، جاء تصريح رئيس الحكومة نواف سلام بأن “نزع سلاح حزب الله يسير كما هو مرسوم له”، ليضيف بعداً آخر إلى الأحداث، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبرى تفرض إعادة ترتيب الأوراق السياسية والأمنية.
الانتشار العسكري في حوش السيد علي ليس مجرد خطوة تكتيكية لضبط الأمن وحسب، بل هو جزء من معركة أوسع بين منطق الدولة ومنطق السلاح غير الشرعي. وبينما يؤكد الجيش أنه يعمل على إغلاق المعابر غير الشرعية ومنع التهريب، يرى البعض أن هذه الاجراءات قد تكون مقدمة لتحجيم نفوذ “حزب الله” في بعض المناطق، لا سيما مع وجود ضغوط دولية متزايدة على الحكومة اللبنانية لضبط الأمن والسيادة.
الجيش يدخل حوش السيد علي
إثر اتفاق بين وزارتي الدفاع اللبنانية والسورية، دخل الجيش اللبناني الأربعاء بلدة حوش السيد علي الحدودية في قضاء الهرمل بعد انسحاب القوات السورية منها. وشهدت الحدود الشمالية الشرقية انتشاراً كبيراً لوحدات الجيش اللبناني، في حين تستعد العائلات التي نزحت عن البلدة قبل يومين للعودة إليها، في انتظار استكمال إعادة انتشار الجيش وفتح الطريق أمامها للدخول مجدداً. وقبيل الدخول، وصل رتل من الجيش اللبناني يضم 60 آلية إلى أطراف حوش السيد علي.
وأعلنت قيادة الجيش – مديرية التوجيه في بيان، أنه “في ظل الأحداث التي شهدتها منطقة الحدود اللبنانية – السورية، وبعد التنسيق بين السلطات اللبنانية والسورية بغية الحؤول دون تدهور الأوضاع على الحدود، بدأت الوحدات العسكرية المنتشرة بتنفيذ تدابير أمنية في منطقة حوش السيد علي – الهرمل؛ بما في ذلك تسيير دوريات؛ لضبط الأمن والحفاظ على الاستقرار في المنطقة الحدودية”.
وكانت قيادة الجيش أشارت في بيان إلى أنه “ضمن إطار مراقبة الحدود وضبطها في ظل الأوضاع الراهنة، والعمل على منع أعمال التسلل والتهريب، أغلقت وحدة من الجيش المعابر غير الشرعية: المطلبة في منطقة القصر – الهرمل، والفتحة والمعراوية وشحيط الحجيري في منطقة مشاريع القاع – بعلبك”.
“لبيك يا نصر الله” مقابل الدولة
الحدث الأكثر إثارة للجدل لم يكن في الاشتباكات أو الانسحاب السوري وحسب، بل في ردّ فعل أنصار “حزب الله” داخل حوش السيد علي. فمع دخول الجيش اللبناني، انتشرت فيديوهات لمجموعات من الأهالي وهي تردد شعارات مثل “لبيك يا نصر الله”، “خائن، خائن، عميل”، في إشارة مباشرة إلى رفضهم وجود الجيش في المنطقة.
ولم يقتصر الأمر على الشعارات، بل تعرضت مراسلة جريدة “النهار” الزميلة لينا إسماعيل لاعتداء جسدي ومصادرة هاتفها أثناء تغطيتها للحدث.
عون شدد على ضبط الحدود
الى ذلك، تابع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون التطورات الأمنية عند الحدود الشمالية – الشرقية، وتلقى سلسلة اتصالات من قائد الجيش العماد رودولف هيكل أطلعه فيها على الاجراءات التي يتخذها الجيش لاعادة الهدوء والاستقرار إلى المنطقة. وشدّد الرئيس عون على “ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات وضبط الحدود على القرى المتاخمة”.
سلام: “نزع السلاح يسير كما هو مرسوم”
وسط هذه التطورات، جاءت تصريحات رئيس الحكومة لتكشف عن بعد جديد في المشهد. فخلال لقائه النائب نديم الجميل، أكد سلام أن “ملف نزع سلاح حزب الله يسير كما هو مخطط له”، مشيراً الى أن الحكومة بدأت العمل على خطة أمنية في بيروت لضبط الأمن، وهو ما يعكس وجود رؤية متكاملة للتعامل مع الوضع الأمني في مختلف المناطق، لكن التحدي الأكبر سيبقى في مدى قدرة الحكومة على فرض هذه الخطة من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع “حزب الله”.
رجي: “الحزب” يتنصل من اتفاق وقف النار
وفيما لا يزال الجنوب وتثبيت اتفاق وقف اطلاق النار التحدي الأكبر أمام لبنان، أصيب جندي في قوات “اليونيفيل” جراء انفجار لغم أرضي في الوادي الواقع بين ياطر وزبقين في القطاع الغربي من جنوب لبنان.
وأشار وزير الخارجية يوسف رجي في لقاء مع الرابطة المارونية إلى أن هدف لبنان هو العودة إلى اتفاقية الهدنة عام ١٩٤٩، مؤكداً أن الحل الوحيد هو الضغط الدولي ولا سيما من الولايات المتحدة الأميركية.
وقال رجي: “الشروط واضحة وهي تنفيذ القرار ١٧٠١ بكامل مندرجاته ووقف العمليات العسكرية وهي شروط قاسية تسبب بها الفريق الذي خاض الحرب وتأخر قبل أن يسلم بضرورة وقف اطلاق النار”. وأكد أن نص الاتفاق واضح ويحدد المجموعات المسموح لها حمل السلاح، لكن “حزب الله” يتنصل منه.


