كعادته ينسحب سعد رفيق الحريري حين تكون المعركة بين أهل وعائلات وأبناء منطقة وأبناء وطن. يشتري سعد، وريث رفيق الحريري، التآلف والتوافق من حسابه من دون حساب للربح والخسارة. المهم أن نخفف عن بيروت وصيدا وطرابلس وكل البقاع اللبنانية وجع الاختلافات والاتقسامات.
ليس سهلاً أن تكون خاسراً. لكن الصعب والموجع أن تكون رابحاً وبيروت، بل لبنان، في خسارة.
يزين سعد الربح والخسارة بالسياسة بميزان والده الرئيس رفيق الحريري، الذي علمنا أن الوطن أكبر منا كلنا مهما ارتفعت قاماتنا وشمخت طموحاتنا.
نتعلم من سعد كيف نربح حتى حين يظن كثيرون أنك خاسر. ربما لهذا لم يفهم كثيرون بعد هذا السر الذي يحميه في غيابه لتبقى ملائكته حاضرة مهما رقص أبالسة السياسة حول تمثال والده.
لقد أخلى سعد رفيق الحريري الساحة، مجدداً كما فعل مراراً، ويبقى أن نتفرج على أشباه رجال يتوهمون أنهم أشباه زعماء، يحاولون عبثاً ملء فراغه.
من الملف البلدي إلى الملفات الشائكة أكثر، فما كان يفترض أن يكون تصريحاً عابراً في سياق الحديث عن “الاستراتيجية الدفاعية” تحول إلى كرة نار ديبلوماسية. رئيس الجمهورية جوزاف عون، في معرض بحثه عن تسوية لبنانية جديدة لسلاح “حزب الله”، أطلق عبارة لم تمر مرور الكرام في بغداد. العراق استدعى السفير اللبناني، وأصدر بياناً يحمل عتباً مكتوماً وغضباً مضمراً، لأن رئيس لبنان “أقحم الحشد الشعبي في الأزمة الداخلية اللبنانية”، بحسب تعبير الخارجية العراقية.
ثمة ما هو أعمق من مجرّد سوء تفاهم لفظي. فلبنان الذي يعاني من عقدة “الدويلة داخل الدولة” حاول أن يضرب مثلاً بالعراق، محذراً من استنساخ تجربة “الحشد الشعبي” الذي وُلد من خارج مؤسسات الدولة قبل أن يُدمج فيها. غير أن بغداد، التي لا تزال تحاول تثبيت سردية “الحشد الشرعي”، وجدت في كلام عون مسّاً مباشراً بمؤسسة تشكّل ركيزة سياسية وعسكرية في التوازن الداخلي العراقي، بل في معادلة النفوذ الايراني في بلاد الرافدين.
المفارقة أن كلام عون لم يكن يستهدف العراق بحد ذاته، بل أراد توجيه رسالة إلى الداخل اللبناني، وتحديداً إلى “حزب الله”. رسالة فحواها: لا “حشد شعبي” جديد في لبنان. لا استنساخ لتجربة دمج الميليشيا في قلب الدولة. لا وحدة مستقلة داخل الجيش. أي أن الدولة، بما تمثله الرئاسة، لا تزال، نظرياً، ترفض تطبيع السلاح خارج مؤسساتها. لكن الرسالة التي أرادها موجّهة داخلياً، ارتدّت عليه خارجياً، وتسببت في استياء عاصمة عربية كانت حتى الأمس القريب تغدق عليه النفط والمساعدات.
في المقابل، يُمسك “حزب الله” بالخطاب الأكثر تشدداً. عضو المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي يعلن صراحة أن “اليد التي تمتد إلى السلاح ستُقطع”، معتبراً أن الحوار حول السلاح مؤجل حتى إشعارٍ آخر، ربطاً بالمعطيات الاقليمية والدولية. هذا الموقف يعقّد مهمة رئيس الجمهورية في طرح الاستراتيجية الدفاعية، ويفرمل إمكان التوصل إلى صيغة جديدة تدمج سلاح المقاومة ضمن إطار الدولة.
إلى ذلك، استعاد اللبنانيون رعب “حرب الاسناد” بعد أن خرق الطيران الحربي ليلاً جدار الصوت فوق بيروت ومناطق عدة، بالتزامن مع كثافة في الاستهدافات والخروق جنوب لبنان.
التصعيد الاسرائيلي الأخير لم يأتِ من فراغ. فغارات الطائرات المسيّرة التي طالت شيحين، حانين، عيتا الشعب، الزلوطية، ووادي الحجير، تترافق مع خطاب عسكري إسرائيلي يحسم مسبقاً مستقبل النقاط المحتلة في الجنوب، ويعزز سياسة الأمر الواقع تحت غطاء “الدفاع عن النفس”.
وبينما تتطاير شظايا الاشتباك السياسي – العسكري – الديبلوماسي، يحاول الجيش اللبناني ضبط الحدود وتطويق الفلتان. فقد أعلن توقيف مجموعة متورطة بإطلاق صواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة في آذار الماضي، وضمّت لبنانيين وفلسطينيين. عملية الضبط هذه تأتي في لحظة سياسية حساسة، يُراد منها توجيه رسائل إلى الداخل والخارج بأن الدولة تمسك الأمن بيد من حديد.
ولعل الانجازات الأمنية تفتح شهية الدول الاقليمية على دعم جديد للمؤسسة العسكرية، بحيث تعهدت الدوحة التي استقبلت الرئيس عون بـ 60 مليون دولار، و162 آلية عسكرية.
العراق مستاء من عون
إذاً، عبَّر العراق عن عدم الارتياح من تصريحات أدلى بها الرئيس عون حول قوات “الحشد الشعبي”، داعياً إلى “تصحيح الموقف بما يعزز العلاقات الأخوية بين البلدين”.
واستدعت وزارة الخارجية العراقية السفير اللبناني في بغداد علي الحبحاب، الأربعاء؛ للتعبير عن “عدم ارتياحها” إزاء تصريحات أدلى بها الرئيس عون حول “الحشد”.
ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن وكيل وزارة الخارجية العراقية، محمد بحر العلوم، قوله إن تصريحات الرئيس اللبناني لم تكن موفقة وكان الأجدر عدم إقحام العراق في الأزمة الداخلية اللبنانية.
وأضاف بحر العلوم: “الحشد الشعبي جزء مهم من المنظومة الأمنية العسكرية العراقية”.
تصعيد في الميدان
ميدانياً، أغارت مسيّرة إسرائيلية على سيارة “رابيد” على طريق وادي الحجير، ما أدّى الى سقوط قتيل وجريح. وأعلن الجيش الاسرائيلي أنه استهدف أحد عناصر قوة “الرضوان” التابعة لـ “حزب الله” في منطقة القنطرة جنوبي لبنان. واستهدفت مسيرة اسرائيلية أيضاً دراجة في حانين تسببت في سقوط قتيل وجريح. كما إستهدف الجيش الاسرائيلي ليل الثلاثاء – الأربعاء، مركز الدفاع المدني التابع لجمعية “الرسالة” الاسلامية في بلدة طيرحرفا، ومنزلين جاهزين، اضافة الى البيوت الجاهزة في بلدة شيحين.
واستهدفت مسيرة معادية غرفة جاهزة في بلدة الزلوطية وغرفة أخرى في البستان عند الحدود في قضاء صور.
ومساء أمس، خرق الطيران الحربي الاسرائيلي جدار الصوت فوق بيروت وعدد من المناطق اللبنانية.
في السياق، قال وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس: “سنبقى بالمناطق الأمنية في غزة وسوريا ولبنان لأجل غير مسمى”.
توقيف مطلقي الصواريخ
أمنياً أيضاً، أعلن الجيش اللبناني عن توقيف عدد من أفراد المجموعة المسؤولة عن عمليتي إطلاق صواريخ من جنوب لبنان في آذار الماضي. وكشف الجيش أنه على إثر تحديد هوية المتورطين، نفذت وحدات الجيش عمليات دهم في عدد من المناطق، أسفرت عن توقيف عدد من أفراد المجموعة، إضافة إلى ضبط الآلية والمعدات المستخدمة في إطلاق الصواريخ.
وتم تسليم المضبوطات إلى الجهات المعنية، وبدأ التحقيق مع الموقوفين تحت إشراف القضاء المختص، فيما تستمر المتابعة لتوقيف بقية المتورطين.


