رحيل البابا الطيب… “المقفلة” تخنق بيروت ونتنياهو يهدّد لبنان

لبنان الكبير / مانشيت
بيروت

في اللحظة التي يُشيّع فيها العالم البابا فرنسيس، الرجل الذي نذر نفسه للعدالة والسلام والرحمة، تودّع الإنسانية صوتاً نادراً ناصر المظلومين بلا تردّد، من فلسطين إلى الفقراء في القارات المنسيّة. كان صوتاً أخلاقياً عالمياً، وقف ضد الحرب، ودافع عن الإنسان، وفتح أبواب الكنيسة أمام من أُغلقت بوجههم الأبواب الأخرى. وبقدر ما كانت رسالته موجهة إلى البشرية جمعاء، بقدر ما تطرح وفاته سؤالاً وجودياً على مجتمعات فقدت البوصلة الأخلاقية.

بين رحيل البابا فرنسيس، صوت الضمير العالمي والمناصر الأول للسلام والعدالة، وبين ما يُخطّط لبيروت من تغييب لإرادة ناسها وتهميش لتاريخها، تتبدّى المفارقة القاتلة بين عالمٍ يبحث عن العدالة وآخر يُفرّغها من معناها. فرحيل البابا الطيب، الذي صلّى على جدار الفصل في بيت لحم، ووقف في وجه الحروب، وناصر الفقراء والمهمّشين، يُذكّرنا كم نحتاج إلى قيادة أخلاقية شجاعة… قيادة غابت عن مشهد بيروت اليوم.

وفي قلب هذا الغياب، يبرز عزوف الرئيس سعد الحريري وتيار “المستقبل” عن خوض الانتخابات البلدية المقبلة، وهو التيار الذي شكّل لعقود الضمانة الوطنية والسياسية للمناصفة والتوازن في بيروت. غيابه لا يُملأ بقرارات فوقية أو تحالفات طارئة، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام هيمنة محادل حزبية تسعى إلى فرض “لوائح مقفلة”، تُقدَّم على أنها تحترم المناصفة، لكنها في جوهرها تدوس على معناها، وتغتال الديموقراطية في عقر دارها.

اللوائح المقفلة تعني إقصاء المستقلين، وتكريس المحاصصة، وتسليم القرار البلدي في العاصمة إلى طباخي الصفقات السياسية، لا إلى أبناء بيروت وأهلها. مجلس بلدي يُفصَّل سلفاً وفق توافقات حزبية لا يُنتج إلا العجز والتناحر والتعطيل، ولا يُعبّر عن الإرادة الشعبية ولا عن وجدان المدينة التي عُرفت بأنها عاصمة الانفتاح والتنوّع لا الغرف المغلقة والصفقات السود.

غياب الحريرية السياسية عن الاستحقاق لا يعني أن يُمحى صوتها، أو أن يُختَصر تمثيل بيروت بمن حضر، بل هو دعوة صريحة لاستعادة بيروت من قبضة من يحاولون السيطرة عليها تحت مسميات قانونية مزيّفة. فـ”اللوائح المقفلة” ليست حلاً، بل مؤامرة لتكريس الأمر الواقع، وخفض نسبة الاقتراع، وضرب الشراكة الحقيقية باسم الشراكة الزائفة.

والأخطر أن هذا الطرح لا يترافق مع مشروع لتفعيل صلاحيات المجلس البلدي. فالمحافظ لا يزال يتحكم بالقرار البلدي، فيما المجلس المنتخب يبقى ديكوراً فاقداً لأي تأثير. وإذا كان ثمة نية للإصلاح، فلتُسحب الصلاحيات من المحافظ وتُسلَّم إلى مجلس حقيقي، يمثّل أبناء المدينة ويحاسبهم الناس على أدائهم.

رحل البابا الذي حمل همّ الإنسان وصرخ من أجل غزة، فهل نكون نحن في بيروت شهود زور على اغتيال إرادة الناس؟ هل نقبل أن تتحوّل العاصمة إلى لوحة حزبية ملوّنة، بلا روح، بلا تمثيل، وبلا معنى؟

إن بيروت تستحق أكثر من لائحة مقفلة. تستحق استفتاءً شعبياً على مصيرها البلدي. لا يُمكن مصادرة صوت البيارتة بهذا الشكل الوقح. ولا يُمكن القبول بإلغاء التنوّع باسم التوازن.

بيروت ليست جائزة ترضية. بيروت مسؤولية وطنية. ومن يُقصي أهلها، لا يستحق أن يحكمها.

ويشهد لبنان حالة من الحداد الرسمي بعد الاعلان عن وفاة البابا فرنسيس، وعمّم رئيس الحكومة نواف سلام قراراً بإعلان الحداد الرسمي لمدة ثلاثة أيام، بحيث تُنكّس الأعلام على جميع الادارات العامة والمؤسسات الرسمية والبلديات، كما تُعدّل البرامج العادية في الاذاعة والتلفزيون، في تعبير رمزي عن الحزن والتقدير لدور الحبر الأعظم الراحل. وقد نُكس العلم اللبناني في قصر بعبدا إيذاناً ببدء مراسم الحداد.

نتنياهو يصعّد ويتوعد لبنان

في موازاة ذلك، جاءت تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لتزيد من حدة التوتر في المنطقة، متوعداً بتوسيع رقعة الردود الاسرائيلية لتشمل لبنان إلى جانب اليمن وسائر الجبهات. وفي خطاب ناري، أعلن أن حكومته “هزمت محور الشر الايراني” في أكثر من جبهة، متعهداً بالرد القاسي على أي هجوم تتعرض له إسرائيل.

وقال نتنياهو: “كل هجوم على إسرائيل سيُقابل بهجوم مضاد، وهذا يسري على لبنان كما على بقية الجبهات”. ولم يُخفِ نيّته في توسيع العمليات العسكرية لتشمل “حزب الله”، ملمّحاً إلى أن الخطر بات متعدد الأبعاد، من اليمن إلى غزة فلبنان. وأضاف: “الحوثيون تفاخروا بإطلاق مسيّرة اسمها يافا، وأقول لهم: يافا ليست محتلة، وردّنا الصارم عليكم آت”.

واعتبر أن حكومته تمضي في مسار واضح لاستعادة الرهائن وتقويض قدرات حركة “حماس”، مؤكداً أن إسرائيل لن تقبل بقيام أي “خلافة على شاطئ المتوسط”، كما شدد على رفضه حدوث أي “حرب أهلية” داخلية.

قائد الجيش يتفقد ثكنة النبطية ويعزي بالشهداء

على خط موازٍ، ووسط استمرار الاعتداءات الاسرائيلية جنوباً، زار قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل ثكنة عصام شمعون في النبطية، حيث قدّم التعازي بشهداء فوج الهندسة الثلاثة الذين سقطوا جراء انفجار ذخائر في بلدة بريقع في 20 نيسان الجاري.

وأثنى هيكل على الجهود الجبارة التي يبذلها عناصر الفوج في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها الجنوب، مشدداً على أن “رسالة الجيش هي التضحية”، وأن المؤسسة العسكرية جاهزة دائماً لأداء واجبها الوطني على الرغم من التحديات والتضحيات.

وأضاف: “ليست المرة الأولى التي يقدّم فيها الجيش شهداء، وسنبقى نعمل على حماية لبنان واللبنانيين من كل خطر، ولا سيما في ظل الاعتداءات المتكررة من العدو الاسرائيلي”.

وأوضح أن فوج الهندسة يقوم بمهام دقيقة تشمل تفكيك الذخائر غير المنفجرة، فتح الطرقات، وإجراء مسح ميداني لضمان أمن المدنيين خلال عودتهم إلى مناطقهم، في ظل خروق شبه يومية تطال الجنوب اللبناني. وشدد على أن دماء الشهداء ثمينة بالنسبة الى المؤسسة، وأن الجيش مستمر في تأدية دوره الوطني على الرغم من كل المصاعب.

شارك المقال