بيروت ليست بلدية تُدار بتعاميم، ولا صندوق اقتراع يُقفل بإرادة الأحزاب، ولا “حصة” تُوزَّع في أسواق الطوائف. بيروت، ببساطة، هي الرئة التي يتنفس منها الكيان اللبناني المتعدد، وكل محاولة لتكميمها ليست مجرد مخالفة قانونية، بل فعل عدائي ضد الفكرة اللبنانية نفسها. وها هو النظام السياسي، كعادته، يحاول مجدداً سلب العاصمة روحها، عبر قانون بلدي مشبوه، يُطبخ في غرف مغلقة، تحت عنوان “اللوائح المقفلة” وبذريعة “المناصفة”.
إن ما يجري في بيروت ليس مجرد تعديل في آلية الاقتراع، بل عملية انقلاب سياسي ناعم، تنفّذه أطراف مستفيدة من انهيار الدولة وضعف مؤسساتها. فالقانون المقترح لا يسلب البيارتة حريتهم في اختيار ممثليهم فحسب، بل يكرّس نظام “المرشحين المفروضين”، حيث الناخب يُستدعى ليُصوّت لا ليُقرر، وتُختزل الانتخابات إلى تصفية حسابات حزبية وتجارية وطائفية. من ينتج لائحة بيروت المقفلة؟ من يقرّر هوية العاصمة؟ ومن خَوَّل هذه القوى التحدث باسم العيش المشترك وهي أوّل من يقتله في تفاصيل النصوص المفصّلة على قياس الزعامات؟
اللافت في هذا المشهد أن الاعتراض البيروتي العارم لم يأتِ من نخب حزبية، بل من نبض الناس، من جمعيات العائلات، من نواب العاصمة، من مرشحين محتملين انسحبوا رفضاً للتعليب، ومن أصوات لطالما كانت جزءاً من المعادلة السياسية لا ضحايا لها. كلهم نزلوا إلى ميدان الرفض، لأن ما يُراد فرضه هو بيروت “على الورق”، بيروت المُقطّعة طائفياً، بيروت المحكومة من موظف فوق المجلس، لا بيروت المدينة – العاصمة التي أرست المناصفة التوافقية منذ أيام الحريرية، لا بيروت التي رفضت الحرب الأهلية، ودفنتها في صناديق الذاكرة، لا بيروت التي تسقط اليوم ضحية مقايضة بين القانون والصلاحية، بين الاسم والهوية.
الأكثر خطورة أن هذا المشروع يطلّ برأسه عشية انتخابات بلدية هي الأولى منذ سنوات، وكأن المطلوب، بعد استنزاف الدولة أمنياً واقتصادياً، أن تُستكمل الضربة عبر خنق العاصمة سياسياً. وهل نُبالغ إن قلنا إن هناك من يُريد لبيروت أن تُحكم بلائحة محروسة، لا بمجلس بلدي حرّ؟ بل هل نُخطئ حين نقرأ في هذا المشروع محاولة للتشريع للوصاية المحلية، بديلاً من الوصاية الخارجية التي فشلت منذ الطائف حتى اليوم في تدجين بيروت؟
المعركة البلدية في بيروت خرجت من إطارها القانوني إلى فضاء سياسي مفتوح على الاحتمالات. وما يُحاك للعاصمة ليس مجرد هندسة انتخابية، بل محاولة فرض وصاية سياسية تُذكّرنا بأيام نُصّب فيها المحافظون قادة أمر واقع، لا موظفين في خدمة قرار شعبي حرّ. وإذا لم يُسحب مشروع اللوائح المقفلة، فإن النزول إلى الشارع لم يعد خياراً، وفق معلومات “لبنان الكبير” بل ضرورة وطنية، لا لمنع قانون، بل لحماية العاصمة من السقوط في حفرة النظام الممسوخ.
بيروت ليست ساحة لتجريب القوانين الانتخابية، ولا ملحقاً دستورياً لسلطة تبحث عن مشروعية مفقودة. بيروت، بكل ما تمثله من رمزية ومرجعية، يجب أن تبقى المدينة التي تختار ولا يُختار لها، تُنتخب ولا يُنتخب عنها، تُحكم من ناسها لا من وكلاء عنهم. وعلى من يدفع نحو تمرير هذه الجريمة المقوننة أن يعلم: بيروت لم تُقفل يوماً… ولن تُقفل بلائحة.
من بلدية العاصمة إلى مصير البلد، تتقاطع القضايا المحلية بالأسئلة الكبرى عن الدولة وسلطتها ومصيرها. وفيما كانت بيروت تخوض معركتها ضد قانون انتخابي يُصادر إرادتها، خرج رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بموقف يؤكد فيه أن “أي مسألة خلافية تُحلّ بالحوار، ولا أحد في لبنان يريد العودة إلى الحرب”، مضيفاً: “أنا متفائل بوجود التصميم والإرادة”.
كلام الرئيس لم يأتِ في فراغ، بل في ذروة تصاعد نبرة “حزب الله” حول تمسكه بسلاحه، وهو ما ولّد ردود فعل غاضبة، تجاوزت الاصطفافات التقليدية، لتعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن أن تستقيم الجمهورية على سلاحين؟ وهل يُمكن للحوار أن ينجح إذا كان أحد أطرافه يمسك بمفاتيح الأمن والسلم والقرار؟
اغتيالات مستمرة
ميدانياً، استمر التصعيد الاسرائيلي، فطالت غارة سيارة في قضاء الشوف جنوب بيروت، ما أسفر عن مقتل شخص، وفق وزارة الصحة اللبنانية.
وأعلن الجيش الاسرائيلي أنه “قضى” على حسين عطوي، الذي قال إنه شارك في “تخطيط وتنفيذ أنشطة إرهابية من لبنان باتجاه الأراضي الاسرائيلية”، و”نفّذ هجمات صاروخية خلال السنوات الماضية (…) وساهم في محاولات التسلل إلى داخل الأراضي الاسرائيلية”.
وبعد ساعات من الغارة التي أودت بعطوي، شنّت إسرائيل غارة جديدة في قضاء صور في جنوب لبنان، أسفرت عن مقتل شخص.
وأوردت وزارة الصحة اللبنانية في بيان أن “الغارة التي شنّها العدو الاسرائيلي على بلدة الحنية بقضاء صور أدّت إلى سقوط شهيد”.
وأعلن الجيش الاسرائيلي أنه “قضى على قائد في مجمّع مجدل زون (بلدة في جنوب لبنان) التابع لـ(حزب الله) الإرهابي”.
وألقت درون إسرائيلية قبل الظهر قنبلة صوتية على بلدة كفركلا، كما عمدت طائرة مسيّرة إلى إلقاء قنبلة صوتية وسط بلدة عيتا الشعب في قضاء بنت جبيل. واستهدفت المدفعية الاسرائيلية أطراف بلدة شبعا.
“حزب الله” يدين
وأدان “حزب الله” جريمة اغتيال القيادي في “الجماعة الاسلامية” الشيخ حسين عطوي، وقال مسؤول العلاقات الاسلامية في “حزب الله” الشيخ عبد المجيد عمّار في تصريح: “إنّ تمادي العدو في إجرامه بغطاء وتشجيع أميركي فاضح، هو نتيجة لتخاذل الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار، وتقاعس المجتمع الدولي عن القيام بمسؤولياته، ما يشجّع العدو على انفلاته الوحشي وعلى الاستمرار في عربدته من دون أي رادع”.
ورأى أن “هذا العدوان المتواصل، والذي قد تكرر ظهراً في بلدة الحنية الجنوبية وأدّى إلى سقوط شهيد وعدد من الجرحى، يُحتّم على الدولة اللبنانية أن تتحمّل مسؤولياتها الوطنية الكاملة، وأن تخرج من موقع المتفرّج العاجز، وألّا تكتفي ببيانات الإدانة التي لم تُجدِ نفعاً، ولم تردع العدو، وأن تقوم بخطوات فاعلة وجادة وعاجلة على كل المستويات، وبجميع الوسائل المتاحة”.
نتنياهو وترامب متفقان
إلى ذلك، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقوفه مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، بما في ذلك ملف إيران. وكتب ترامب في منشور على موقع “تروث سوشال” إنه تحدث إلى نتنياهو، وقال: “سارت المكالمة على ما يرام، فنحن متفقان بشأن جميع القضايا”.


