نهاية عهد امبراطور الشمال… ترامب للبنانيين: فرصة للتخلص من “الحزب”

لبنان الكبير / مانشيت
لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة، 14 أيار 2025. رويترز

بعدما بدا أن الشمال اللبناني سيبقى محكوماً بعقلية الحاكم بأمره، صدر القرار المنتظر: إقالة المحافظ رمزي نهرا. الرجل الذي مثّل لعقدٍ من الزمن صورة “المسؤول المحسوب”، خرج من السراي كما دخلها، مثقلاً بإرثٍ من التوترات والصدامات والإخفاقات. المقرّب من جبران باسيل، والذي لطالما اعتُبر ذراع “التيار الوطني الحرّ” في الشمال، أطاحته عبارة واحدة قالها وزير الداخلية أحمد الحجار في العلن: “أنا يلي عم بحكي”، لتُختصر بها لحظة سقوط الاستعلاء، وولادة مزاج إداري جديد يرفض منطق التسلّط في الحكم.

منذ تعيينه محافظاً في العام 2014، حمل نهرا انحيازه السياسي على كمه، وبدلاً من أن يكون مظلة للجميع، تصرّف كأنّه مندوب حزبي بدرجة محافظ. لم تُمحَ من ذاكرة الطرابلسيين مشاركته في تظاهرات “التيار الوطني الحر”، ولا صدامه الشهير مع رئيس بلدية المدينة رياض يمق، ولا ممارساته التي وُصفت بـ”التشبيحية” في أكثر من ملف. لكنّ القشة التي قصمت ظهر الولاية، كانت الإخفاق الفادح في إدارة الانتخابات البلدية، حيث الفوضى، والبطء، والاتهامات بالتزوير، فجّرت غضباً شعبياً تُرجم بمطالبة علنية برحيله.

قرار إقالته، وإن أتى في سياقٍ إداري، إلا أنه يحمل في طياته أبعاداً سياسية عميقة: فلبنان اليوم لا يعيش تحوّلاً داخلياً وحسب، بل يرتجف على وقع متغيرات إقليمية تتسارع وتيرتها. وأبرز ما يعكس هذا التحول، كان المشهد غير المسبوق في الرياض: دونالد ترامب يجلس إلى جانب الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واتصال مباشر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

مشهدٌ لم يكن ليتخيّله أحد قبل أسابيع، لكنه وقع، ليؤسس لانقلاب سياسي – إقليمي عنوانه “الشرق الأوسط الجديد”. لم يأتِ ترامب إلى الرياض بخطابات تقليدية، بل برسائل صريحة: رفع العقوبات عن سوريا، الدعوة لانضمامها إلى اتفاقيات أبراهام، وترحيل الفصائل الفلسطينية المصنّفة إرهابية، وتفكيك العلاقة مع إيران. كل ذلك تحت عنوان واحد: إعادة صياغة المنطقة، وإدماج دمشق مجدداً، ولكن وفق شروط اللعبة الأميركية – الخليجية.

في هذا السياق، برز لبنان كـ”نقطة ارتكاز”، لا كحاشية. إذ قالها ترامب صراحة: “فرصة تاريخية للتخلص من حزب الله”، مشيراً إلى أن الرئيس جوزاف عون أمام لحظة مفصلية لبناء دولة جديدة، لا رهينة للسلاح، بل شريكة في السيادة والاستقرار. موقفٌ دعمه بالكامل ولي العهد السعودي، الذي أكد بوضوح أن “لا استقرار في لبنان من دون حصر السلاح بيد الدولة، ولا نهوض من دون إصلاحات جذرية”.

قمة الرياض إذاً لم تكن حفلة علاقات عامة. كانت قمة رسم خرائط، وإعادة تموضع، وشطب رموز، وصعود آخرين. السعودية تُثبّت موقعها كلاعب محوري، وواشنطن تعيد تطبيع حضورها الإقليمي عبر لغة الصفقات، لا الجيوش. أما لبنان، فهو أمام فرصة نادرة: أن ينفض عنه غبار الوصايات، ويعود دولة تحكمها المؤسسات، لا الأحزاب المدججة بالسلاح.

لم تكن إقالة نهرا وحدها على طاولة مجلس الوزراء، فقد شملت إقرار التمديد لـ”اليونيفيل”، تعيين رئيس جديد لمجلس الانماء والاعمار محمد قباني، بالاضافة إلى قرارات عدة متعلقة بالشأن الاداري والوضع المعيشي..

جنبلاط: نريد لبنان جديداً

الرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط التقط التحولات الاقليمية، وأكد خلال مشاركته في ندوة “تجاوز الانقسامات” في بكفيا، ضرورة بناء لبنان جديد يواكب التغيرات الاقليمية، مشدداً على أهمية تحديث اتفاق الطائف وتطبيق بنوده المعلّقة من دون المساس بجوهره.

وقال جنبلاط إن لبنان لا يمكن فصله عن التحولات الجارية في الشرق الأوسط، واصفاً ما يحدث بأنه “سوريا جديدة وشرق أوسط جديد”. وأشار إلى اللقاء بين الرئيسين السوري والأميركي كعلامة فارقة، شاكراً ترامب على قراره رفع العقوبات عن سوريا. وأعرب عن أمله في الحفاظ على خرائط سايكس-بيكو شرط حل القضية الفلسطينية.

واعتبر النائب سامي الجميل أن لبنان أمام فرصة تاريخية لبناء دولة مستقلة من دون وصاية لأول مرة منذ أكثر من خمسين عاماً، مشدداً على أن المصارحة هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة. وأشار إلى أن السلاح غير الشرعي لا يزال العائق الأساسي أمام بناء توافق وطني.

دعم أوروبي

في المواكبة الدولية للتطورات اللبنانية، أعلن الاتحاد الأوروبي في بيان “تخصيص 8 ملايين يورو لدعم جهود الاستقرار والسلام والأمن في لبنان، بعد أكثر من عام على اندلاع النزاع الذي خلّف خسائر بشرية فادحة، ودماراً واسعاً، وتسبب بنزوح آلاف العائلات، وأثقل كاهل مؤسسات الدولة، ممّا حدّ من قدراتها على الاستجابة لأدنى متطلّبات المواطنين. أمّا المؤسسات الأمنيّة، فما تزال تواجه صعوبات عديدة في الحفاظ على الاستقرار في ظلّ التوتّرات القائمة”.

اغتيال جديد في الجنوب

ميدانياً، استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية سيارة بصاروخين على طريق قعقعية الجسر – وادي الحجير، جنوب لبنان. وكتب المتحدّث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر حسابه على “أكس”: “هاجمت طائرات جيش الدفاع في منطقة قعقعية الجسر في جنوب لبنان وقضت على أحد عناصر حزب الله الذي كان يشغل منصب قائد مجمع قبريخا في الحزب”. وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة بيان، أعلن أن الغارة أدت إلى سقوط ضحية.

وكانت طائرة مسيّرة إسرائيلية أصيبت بعطل تقني أدّى إلى سقوطها صباحاً وانفجارها داخل منزل في بلدة شبعا – قضاء حاصبيا، واقتصرت الأضرار على الماديات.

شارك المقال