يراهن “حزب الله” على الوقت كسلاح سياسي وعسكري مزدوج، على الرغم من إدراكه أن هذا الرهان قد يشعل شرارة حرب مفاجئة مع إسرائيل في أي لحظة. لا يظهر الحزب نية مباشرة لتفجير الجبهة، لكنه لا يتوقف عن ترميم قدراته وتعزيز أوراقه، في وقت تتكثّف فيه الضربات الاسرائيلية ضد بناه التحتية، مقرونة بتهديدات بمزيد من التصعيد. في الخلفية، ينتظر “الحزب” ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية – الايرانية، آملاً أن تفرز مكاسب استراتيجية قد تصله حصته منها، ولو بفتات النفوذ. وفي هذا الانتظار الحذر، لا يُستبعد أن تقدم إسرائيل على ضربة خاطفة توسّع من خلالها بنك أهدافها، من دون أن تلجأ إلى موجة تهجير شاملة، إلا إذا فرض الواقع الميداني تطوراً مزلزلاً، وهو احتمال بات ضمن السيناريوهات الجدية. في المقابل، يعمل “الحزب” على تكريس حضوره الداخلي كرقم صعب في المعادلة السياسية والعسكرية، محاطاً بثقل انتخابي وترسانة قدّرتها تقديرات أميركية بنسبة ٤.٨ من قوة الجيش اللبناني، ما يجعل شبح الحرب حاضراً بقوة مع أول لفحة حرّ صيفية.
في هذا الجو المشحون، ضُبطت الحرارة على خط عين التينة – السراي الحكومي، حيث يُمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بجهاز تحكم بـ”المكيّف” السياسي، مرسلاً إشارات التبريد حيناً والضغط حيناً آخر، بحسب ما تقتضيه ظروف اللحظة اللبنانية. فمن عين التينة، خرج رئيس الحكومة نواف سلام ليؤكد أن لا “مِنبرَد ولا مِنسخّن”، في موقف استيعابي حاول من خلاله امتصاص الضغوط، وتثبيت التزامه الكامل بالبيان الوزاري. سلام لم يكتفِ بالنفي بل كرر: “لا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة”، مؤكداً أن العلاقة مع الرئيس بري قائمة على التفاهم لا التحدي، وعلى الالتزام لا الارتجال.
وفي ردّه على الانتقادات المتداولة، لاقى سلام “الحزب” بمزيد من الانفتاح، ففتح باب الود معه من السراي، قائلاً إن “الحاج محمد رعد مرحّب به في أي وقت”، ليرد رعد عبر شاشة “المنار” بعبارة واضحة: “نشكر ودّ دولة الرئيس، وسنلاقيه قريباً”. وهكذا، اكتمل مشهد التهدئة الرمزية، في لحظة لا ينقصها الترقّب.
أما خلف الابتسامات، فلا غياب للجدية. بري، الذي سمع من سلام توضيحات حول تصريحات إعلامية سابقة، ذكّره بضرورة التركيز على أولويتين: وقف الاعتداءات الاسرائيلية، والبدء الفوري بإعادة الإعمار. هو يعلم أن الضغوط الدولية لا تنفك تربط هذا الملف بحسم مسألة السلاح، لكنه حريص على التأكيد أن البيان الوزاري واضح، وأن ميثاق الأمم المتحدة يضمن للبنان حق الدفاع عن النفس. كذلك كان اللقاء مناسبة للتفاهم على فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي، ومواصلة التنسيق مع الدول المانحة، بحيث كشف سلام عن مساعٍ حثيثة للحصول على مليار دولار، في مقابل تقديرات تشير إلى أضرار تفوق الـ 14 ملياراً.
في المحصلة، “حزب الله” لا يتزحزح عن سلاحه، والحكومة لا تتزحزح عن البيان الوزاري، وبري لا يتزحزح عن حرارة الوسط. الكل على جهوزية… والكل على المكيّف.
زيارة عراقجي: توقيع كتاب أم رسائل سياسية؟
وسط هذه الأجواء، يترقب لبنان زيارة مفاجئة لوزير الخارجية الايراني عباس عراقجي، وسط غموض يلفّ جدول أعماله. وعلى الرغم من الحديث عن أن الزيارة تأتي لتوقيع كتابه الجديد، فإن الطابع السياسي لا يمكن إغفاله، خصوصاً أنه طلب مواعيد للقاء كلّ من الرئيس جوزاف عون، والرئيس بري، والرئيس سلام، إلى جانب لقاءات مع “حزب الله” وربما قادة فصائل فلسطينية.
الزيارة تتزامن مع تعثر المفاوضات الأميركية – الإيرانية وتصاعد التهديدات الاسرائيلية ضد طهران.
هدوء ميداني وتقدّم للجيش اللبناني
ميدانياً، شهد الجنوب هدوءاً هو الأول منذ فترة طويلة، فيما أزال عناصر من الجيش اللبناني علم لواء “غولاني” الاسرائيلي من تلة رويسات الحدب في أطراف بلدة عيتا الشعب – قضاء بنت جبيل. كما عملت قوة من الجيش على إزالة سواتر ترابية وألغام كان قد أقامها العدو في المنطقة، مع تعزيز انتشارها عند أطراف خلة وردة، غرب عيتا الشعب.
عون: التشكيلات القضائية قريباً
على صعيد مكافحة الفساد، أكد رئيس الجمهورية أن مكافحة الفساد تمرّ عبر تطبيق الحكومة الالكترونية وقضاء نزيه وحازم، مشيراً إلى أن التشكيلات القضائية ستصدر قريباً، وستُفتح ملفات فساد جديدة. وشدد عون على ضرورة تحمّل المواطنين لمسؤولياتهم، وأهمية التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لإقرار القوانين بسرعة، قائلاً: “لا نملك ترف الوقت”.
بوصعب: نحو قانون انتخاب عصري
على صعيد آخر، قال نائب رئيس مجلس النواب إلياس بوصعب إن لبنان يمرّ بمرحلة حسّاسة، وتعديل قانون الانتخابات بات ضرورة. وأوضح بعد اجتماع لجنة قانون الانتخابات أن “الطموح هو الجمهورية الثالثة”، مشدداً على ضرورة الانتقال من قوانين تحمي الطوائف إلى إصلاح حقيقي.
وأكد بوصعب أن الحكومة مدعوّة لتوضيح موقفها من القانون الانتخابي، لافتاً إلى أن الجلسة المقبلة ستركّز على مراجعة القوانين، مع اعتبار انتخاب المغتربين بنداً أساسياً يجب ضمان صحّة تمثيله.


