لا تسير الأمور في لبنان وفق الصدفة. فكل زيارة، وكل لقاء، وكل تغيير في المواقع الديبلوماسية، يحمل إشارات تتجاوز ظاهر الحدث إلى ما هو أعمق. هذا ما ينطبق تماماً على قضية نائبة مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي لم تعد مجرّد مسؤولة مثيرة للجدل، بل باتت عنواناً لصراع نفوذ، وإعادة رسم لموقع واشنطن في لبنان.
حتى الآن، لا تأكيد رسمياً بشأن إقالة أورتاغوس أو بقائها. وهذا الفراغ في القرار فتح الباب أمام سيل من التكهنات: فهناك من يعتبر أن واشنطن بصدد استبدالها بعد فشلها في تحقيق أي اختراق حقيقي في الملف اللبناني، فيما يروّج آخرون لتكليف المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، بتولي الملف اللبناني. وفي كل الحالات، يبدو أن موقع أورتاغوس لم يعد تفصيلاً، بل مؤشر على تحولات أكبر يجري التحضير لها.
وفيما تتضارب التقديرات في واشنطن، أعاد “حزب الله” ترميم علاقته مع رئيس الحكومة نواف سلام. فزيارة وفد كتلة “الوفاء للمقاومة” إلى السراي الحكومي لم تكن بروتوكولية، بل أتت في سياق إعادة ترتيب العلاقة وفق منطق المصالح، إذ يسعى الحزب الى تثبيت أولوياته في مواجهة الضغوط الخارجية، وعلى رأسها وقف الاعتداءات الاسرائيلية، الإسراع في ملف الإعمار، ورفض ربط الدعم الدولي بمسألة السلاح.
أما الرئيس سلام فبدا حريصاً على تأكيد التزامه بالبيان الوزاري، مستنداً إلى التحضير لمؤتمر مانحين في 10 حزيران الجاري، كنافذة دعم مالي في خضم الأزمة. واستثمر النائب محمد رعد اللقاء لطرح موقف الحزب بوضوح: لا نقاش في السلاح الآن، لكن لا مانع من بحثه في إطار لاحق، بشرط أن ترافقه ضمانات سيادية حقيقية. وقد حضرت “أشباح” ملف السلاح بين السطور، لتشير إلى أن استقرار لبنان ليس بالمجان، وأن أوراق القوة لن توضع جانباً مجاناً.
وفي مقابل هذا الحراك الداخلي، جاء الرد الاسرائيلي بنبرة تهديدية واضحة. قائد المنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي أوري جوردين حسمها: “لن نسمح بانقلاب المعادلة مجدداً في لبنان”. الرسالة وصلت: أي تحرّك لبناني يقترب من استعادة زمام المبادرة، سيُقابل بردع عسكري ميداني. جنوب لبنان ليس جبهة حدودية وحسب، بل ساحة اختبار لميزان الردع.
لكن الخطر لا يقتصر على الجبهة الجنوبية. في إسرائيل نفسها، تواجه حكومة بنيامين نتنياهو حالة اهتزاز داخلي عميقة. أزمة تجنيد الحريديم تهدد بتفكيك الائتلاف الحكومي، فيما يتمسك المتدينون برفض الخدمة العسكرية وسط احتياج الجيش الى مزيد من الجنود في ظل الحرب المفتوحة على غزة. ومع استمرار محاكمة نتنياهو في قضايا فساد، يبدو أن الائتلاف الحاكم ينزف سياسياً، ويقف على حافة الانهيار.
في خضم هذا المشهد، قد يميل نتنياهو للهروب إلى الأمام بمغامرة عسكرية جديدة، لصرف الأنظار عن الأزمة الداخلية، خصوصاً إذا شعر بأن “حزب الله” يعيد تثبيت حضوره السياسي والعسكري على نحو يغيّر موازين الردع.
اسرائيل تخطف صياداً لبنانياً
وفي الجنوب، اجتازت 4 زوارق حربية اسرائيلية خط الطفافات البحري، وقامت بخطف أحد الصيادين اللبنانيين من بلدة معروب، أثناء وجوده مقابل رأس الناقورة. في الوقت نفسه، ألقت طائرات مسيّرة إسرائيلية منشورات تهديد في أجواء بلدة يارون – قضاء بنت جبيل، وجّهت فيها تهديداً مباشراً الى المختار السابق محمد عباس شاهين، في استمرار لسياسة الترهيب النفسي والعسكري ضد الأهالي.
رسالة من بوتين الى عون
أما في بعبدا، فتسلم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون رسالة رسمية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نقلها السفير الروسي ألكسندر روداكوف، تتضمن دعوة شخصية لعون للمشاركة في القمة الروسية – العربية الأولى التي ستُعقد في موسكو في 15 تشرين الأول المقبل، ما يعكس سعي روسيا الى تثبيت حضورها الاقليمي في ملفات تتجاوز الساحة السورية.
قاسم التقى عراقجي
وفي سياق موازٍ، التقى نائب الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي، بحضور السفير الايراني في بيروت مجتبى أماني. وشدد عراقجي على أهمية العلاقات الثنائية وحرص طهران على دعم لبنان في المجالات كافة، انطلاقاً من قاعدة الاحترام المتبادل. فيما جدّد قاسم شكره لإيران قيادة وشعباً على دعمها الدائم، مؤكداً أن الحزب يواصل العمل من أجل استقرار لبنان وسيادته، ودعم المقاومة الفلسطينية، وطرد الاحتلال من الأراضي اللبنانية.


