بينما تلتقط المنطقة أنفاسها بعد الهدنة الايرانية – الاسرائيلية الأخيرة، ومع بدء العدّ التنازلي لموسم الصيف السياحي، بدأ لبنان يتطلّع إلى لحظة نادرة من الاستقرار، ولو كانت نسبية. وفيما يحاول بلدٌ مثقل بالأزمات أن ينهض قليلاً من تحت الركام، جاء اتصال غير تقليدي ليحمل بعض الأمل: إيلون ماسك يهتم بلبنان.
نعم، ماسك، رجل الفضاء والسيارات الكهربائية والتقنيات الخارقة، اتصل برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، معرباً عن رغبته في أن تكون شركاته – “تيسلا”، “سبايس إكس”، و”إكس” – حاضرة في السوق اللبنانية، ومعبّراً عن اهتمام خاص بقطاع الانترنت والاتصالات. الرئيس رحّب، وأكد أن الدولة مستعدة لتقديم كل التسهيلات الممكنة ضمن القوانين، بل دعاه رسمياً لزيارة بيروت. ماسك شكر، وأبدى استعداداً لتلبية الدعوة في الوقت المناسب.
الحدث ليس تفصيلاً في بلد يعاني من عزلة مالية وتقنية، بل هو إشارة إلى أن لبنان لا يزال على خريطة الاهتمام العالمي، وأن نافذة الانفتاح ممكنة، شرط أن يُثبت استقراره وأمنه وقدرته على احتضان المشاريع لا القنابل.
وفي هذا السياق، جاءت دعوة رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط إلى تسليم السلاح، لتشكّل صدى سياسياً مسؤولاً يتناغم مع هذا المناخ الايجابي الناشئ. دعوة جنبلاط لم تكن صدامية ولا استفزازية، بل وُضعت في إطار البحث الجاد عن تسوية داخلية تُخرج لبنان من منطق الاشتباك الدائم إلى منطق الدولة، وتُعيد الاعتبار الى مفهوم القرار المركزي. ولعل توقيت هذه الدعوة، بعد هدوء نسبي في الاقليم، يحمل في طيّاته حرصاً على ألّا يُضيّع لبنان فرصة الخروج من دوامة الحرب بالوكالة، واستعادة المبادرة السيادية.
لكنّ الوقائع الميدانية ما لبثت أن ذكّرت اللبنانيين بحجم التحديات. الاعتداءات الاسرائيلية لم تتوقف، بل تصاعدت خلال الساعات الماضية، وكأنها تعترض على أي نغمة استقرار أو تلمّس للسيادة.
ضحيتان سقطتا في بيت ليف وبرعشيت جراء غارات نفذتها مسيّرات إسرائيلية. منزل فُجّر عن بَكرة أبيه في بلدة حولا، بعد أن زُرع بالألغام وترك الاحتلال رسالة تهديد أمام بابه. إطلاق نار كثيف من المواقع الاسرائيلية باتجاه أطراف بلدة شبعا. تفجيرات في محيط جبل بلاط. المشهد أشبه بخريطة رعب معلّقة على خاصرة الجنوب.
الجيش الاسرائيلي لم يتأخر في تبني عملياته، معلناً “تصفية” عناصر من “حزب الله”، ومواصلة ما يسميه “تفكيك بنى عسكرية”.
في المقابل، يعيش المواطن الجنوبي بين طبقتين من الواقع: طموح إلى الانترنت الفضائي من ماسك، وأرضٌ تهتز تحت قدميه بفعل طائرة مسيّرة. دعوة للسلم من جنبلاط، وغارة جديدة في وضح النهار. استثمارات محتملة من وادي السيليكون، وشظايا الموت من تلال كريات شمونة.
لبنان اليوم على تقاطع حاد بين فرصة نادرة للخروج من العزلة، وبين تهديد دائم بجرّه مجدداً إلى ساحة الحرب. وإذا كان اتصال ماسك دليلاً على قابلية النهوض، ودعوة جنبلاط تعبيراً عن وعي سياسي استباقي، فإن الاعتداءات الاسرائيلية تؤكد أن قرار الحرب والسلم لا يزال معلّقاً في الهواء، وأن السيادة لم تكتمل بعد.
السؤال الأهم: هل نمتلك الارادة لنترجم لحظة الاستقرار هذه إلى مشروع سياسي واقتصادي جامع؟ أم سنبقى رهائن لهدنة مؤقتة تهدمها أول غارة؟


