إنها لعبة العصا والجزرة التقليدية. مع اقتراب موعد الرد اللبناني على ورقة باراك، كانت إسرائيل تلوّح بالعصا: عملية اغتيال على أوتوستراد خلدة تلتها سلسلة غارات واسعة، فيما كان المبعوث الأميركي توماس باراك يلوّح بالجزرة: حوافز للشيعة في لبنان.
وفيما لا تزال صياغة الرد اللبناني على الورقة الأميركية قيد النقاش، وصل قبل يومين الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت لمتابعة التطورات. وعلم “لبنان الكبير” أنه يجري سلسلة لقاءات بعيدة عن الاعلام في مقر إقامته.
إسرائيل أعلنت أن طائراتها قصفت مواقع عسكرية تابعة لـ”حزب الله” في جنوب لبنان، وقال المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر منصة “إكس” إن الغارات استهدفت مستودعات أسلحة وبنى تحتية للحزب. وتوسعت دائرة الهجمات لتشمل وادي زوطر الشرقية ودير سريان عند مجرى نهر الليطاني، بالاضافة إلى مناطق العيشية والمحمودية والجرمق شمال شرق النبطية، حيث دوّت أصوات الانفجارات في مختلف أنحاء الجنوب. كما استهدفت منطقة حمى زلايا في البقاع الغربي بثلاث غارات عنيفة.
وفي تصعيد نوعي، نفذت إسرائيل عملية اغتيال استهدفت سيارة جنوب بيروت، وقالت إنها قتلت شخصاً ينشط في تهريب الأسلحة لحساب “فيلق القدس” الايراني. وأوضح الجيش الاسرائيلي في بيان أن هذا الشخص كان يعمل على تنفيذ مخططات إرهابية ضد إسرائيل بتكليف مباشر من “الحرس الثوري” الايراني. وذكرت إذاعة الجيش الاسرائيلي أن العملية أدت إلى اغتيال عنصر بارز في “فيلق القدس” قرب العاصمة اللبنانية.
هذه الضربة تُعد من العمليات النادرة في محيط بيروت منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني الماضي، إذ لم تُسجل سوى عمليتين مماثلتين: الأولى خلال عيد الفطر في الضاحية الجنوبية، والثانية في منطقة الناعمة، وكلتاهما استهدفتا قياديين من “حزب الله” و”الجماعة الاسلامية”.
في موازاة التصعيد العسكري، كشف باراك في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” عن رؤيته للملف اللبناني، فاعتبر أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” في الخريف الماضي “فشل بالكامل”، لأن إسرائيل واصلت القصف و”حزب الله” لم يلتزم بشروط الاتفاق.
وخلال الشهر الماضي، سلّم باراك الحكومة اللبنانية اقتراحاً أميركياً يتضمن خطوات واضحة وجداول زمنية لتفكيك قوات “حزب الله” مقابل مساعدات لتحسين الاقتصاد اللبناني. ومن المتوقع أن تتلقى واشنطن الرد الرسمي اللبناني خلال الأسبوع المقبل.
وتقوم خطة باراك على الجمع بين الترغيب والترهيب: فهي تعرض على لبنان حوافز اقتصادية ومساعدات مالية لإعادة إعمار المناطق المتضررة، لكنها في المقابل تطلب إجراءات صارمة يقودها الجيش اللبناني، تشمل حملات تفتيش من منزل إلى منزل لمصادرة الأسلحة.
إلا أن باراك يعترف بصعوبة هذا المسار، معتبراً أن المجتمعات الشيعية قد تعارض هذه الخطوات، كونها تنظر إلى “حزب الله” كحامٍ للبنان في وجه إسرائيل. لذلك، يحاول المبعوث الأميركي كسب هذه البيئة من خلال الدعم المالي، إذ أعلن أن الولايات المتحدة تسعى الى الحصول على مساهمات مالية من السعودية وقطر لتمويل إعادة إعمار الجنوب.
وقال باراك بوضوح: “إذا حصل شيعة لبنان على مكاسب حقيقية من هذا المسار، فسيتعاونون معه”.
لكن حتى اللحظة، لا يبدو أن لبنان قرر خوض هذه المغامرة. فما زالت القوى السياسية تدرس الورقة الأميركية وسط انقسام واضح بين من يرى في هذه المبادرة فرصة لإنقاذ الاقتصاد، ومن يعتبرها محاولة جديدة لنزع ورقة القوة من يد لبنان في مواجهة إسرائيل.
وهكذا، يبقى لبنان معلقاً بين ضغوط الخارج وتصعيد الميدان… وبين الحوافز الأميركية وغارات إسرائيل.


