لم تنتظر إسرائيل طويلاً لتبعث برسالتها إلى بيروت: المفاوضات لا تعني وقف النار. فبينما كانت العاصمة تودع الموفد الأميركي توماس باراك مشترية الوقت من واشنطن، نفذت طائرة إسرائيلية ضربة نوعية في بلدة العيرونية شمال لبنان، استهدفت أحد كوادر حركة “حماس”. بهذا الاغتيال، خرجت إسرائيل عن المعادلة التقليدية التي حصرت المواجهة في مناطق “حزب الله”، لتقول بوضوح إن بنك أهدافها يمتد إلى كل لبنان، وإن لا منطقة عصيّة على ضرباتها، سواء في البقاع أو طرابلس أو الضاحية.
لم تكن هذه العملية معزولة عن السياق التصعيدي. فقد سبقتها خلال الأيام الماضية اغتيالات متلاحقة لقادة من “حزب الله” في الجنوب، أبرزهم علي عبد الحسن حيدر من “وحدة الرضوان”، الذي تتهمه تل أبيب بالتخطيط لهجمات ضدها، وبإعادة بناء بنية الحزب القتالية جنوب الليطاني. ووسط كل هذه الضربات، كثفت إسرائيل حملتها الاعلامية عبر المتحدث باسم جيشها أفيخاي أدرعي، في محاولة واضحة لإحراج الدولة اللبنانية، ودفعها الى الظهور عاجزة عن ضبط الساحة.
على الضفة الأخرى، تحاول بيروت كسب الوقت. فالموفد الأميركي توم باراك أنهى جولته على الرؤساء الثلاثة والقوى السياسية، متسلّماً الورقة اللبنانية التي تقوم على مبدأ “التدرج” في بسط سلطة الدولة على السلاح، مقابل وعود بدعم مالي وخطة إصلاحات اقتصادية. حتى الآن، يبدو أن لبنان الرسمي تمكّن من تأجيل الانفجار، لكنه لم يحقق تقدماً نوعياً، بل فقط كسب وقتاً إضافياً بانتظار الرد الأميركي.
الثنائي الشيعي قرأ في مواقف باراك إشارات تهدئة، لكنه لم يتخلّ عن حذره من تكرار “الغدر الأميركي” الذي خبرته طهران وحلفاؤها في أكثر من ملف، من الاتفاق النووي إلى التفاهمات الأمنية. في المقابل، يرى “القوات اللبنانية” وحلفاؤه أن الورقة الأميركية تمثّل آخر فرصة لبناء دولة حقيقية، ويحذرون من أن أي تأخير في حسم ملف السلاح سيعني خسارة لبنان للمجتمع الدولي ولأي فرصة إنقاذ.
الجيش: حجر الزاوية في المعادلة
زيارة باراك إلى اليرزة وجنوب الليطاني حملت رسالة واضحة: لا أمن شرعياً في لبنان إلا من خلال الجيش. الدعم الأميركي للمؤسسة العسكرية لم يكن مجرّد موقف سياسي، بل إعلان عن نية واشنطن جعل الجيش الضامن لأي ترتيبات أمنية مقبلة، حتى لو أن تطبيق هذا السيناريو سيصطدم حتماً بعقبات داخلية وإقليمية.
بري وسلام: تنسيق الضرورة
سياسياً، عكس اللقاء بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام حرصاً على إظهار الحد الأدنى من التنسيق الرسمي. سلام، رداً على سؤال حول تقييمه لنتائج زيارة براك، قال بوضوح: “الرئيس بري كفّى ووفّى”، سعياً الى الحفاظ على وحدة الموقف الرسمي بوجه الضغوط الأميركية، مع الإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة مع “حزب الله”.
الراعي وجعجع: لا دولة مع السلاح المتفلت
الى ذلك، نقل البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي عن رئيس الجمهورية جوزاف عون وصفه زيارة باراك بـ”الممتازة”، لكنه أشار إلى أن الرد النهائي لا يزال بيد “حزب الله”. أما رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع فكان أكثر وضوحاً، مشدداً على أنه لا يمكن بناء دولة فعلية في لبنان بوجود سلاح خارج سلطة الدولة، سواء كان فلسطينياً أو لبنانياً.
بين النار والتفاوض
في الخلاصة، نجحت بيروت في كسب بعض الوقت من واشنطن، لكنها لم تنتزع بعد أي ضمانات حقيقية. إسرائيل من جهتها تواصل الضغط بالنار، وكأنها تقول: كل يوم تأخير لبناني سيدفع ثمنه في الميدان.
بين ورقة أميركية معلقة ونيران إسرائيلية مستمرة، يبقى لبنان على حافة الهاوية: هل يحسم خياره السياسي وينجو بنفسه، أم يبقى رهينة نزاعات السلاح والحسابات الاقليمية؟


