باراك و”الحزب” يستدرجان إسرائيل لعدوان جديد

لبنان الكبير / مانشيت

كما في أيلول، كذلك في تموز. جاءت زيارة الموفد الأميركي توماس باراك إلى بيروت لتعيد إحياء مشهد سبق أن عرفه اللبنانيون مع الموفد السابق آموس هوكشتاين: وفد أميركي “يتفهم” قلق لبنان لكنه لا يملك حلاً، يكرر المواقف ذاتها، ويغادر من دون أن يترك وراءه سوى فراغ ديبلوماسي وعلامات استفهام.

وفق معلومات “لبنان الكبير”، فإن زيارة باراك لم تأتِ بجديد. بالعكس، كرّست المؤشرات السلبية المتصاعدة في الأفق اللبناني: لا ضغوط على إسرائيل، لا ضمانات من واشنطن، ولا أفق لأي تسوية تتناول ملف سلاح “حزب الله”. جلّ ما حمله الرجل في جعبته هو تأكيد ما سمّاه “المساعدة الطوعية”، مرفقاً بجملة باتت لازمة في الخطاب الأميركي: “لا يمكن أن نجبر إسرائيل على القيام بأي شيء”.

انهيار الاتفاقات.. وعودة إلى ما قبل أيلول

بهذا الموقف، أقرّ باراك بفشل اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي دخل حيّز التنفيذ في تشرين الثاني الماضي، ما يعني فعلياً إسقاط المرجعية التفاوضية الوحيدة التي كان يمكن البناء عليها، وإعادة التموضع السياسي والأمني إلى ما قبل حرب أيلول. وكأن الموفد الأميركي جاء ليبلغ الجميع بأن واشنطن تراقب… ولكنها لن تتدخل.

وفي السياق نفسه، أعاد باراك التأكيد أن “حزب الله” مصنّف كـ”منظمة إرهابية أجنبية” لدى الولايات المتحدة، ما يعني عملياً استحالة أي تواصل مباشر أو غير مباشر معه، وبالتالي إقفال باب الحوار بالكامل. لا رعاية أميركية، ولا مواكبة دولية، ولا حتى نية بدفع أي طرف إلى طاولة تفاوض.

بيروت تفاوض في الفراغ.. وتل أبيب تتفرّج

في هذا الواقع، تصبح الدولة اللبنانية أشبه بطرف محشور في الزاوية، يطالب بضمانات غير موجودة، ويقترح مساراً سياسياً غير مدعوم، ويسلّم الموفد الأميركي “مذكرة شاملة” لتطبيق تعهّدات لبنان منذ إعلان وقف الأعمال العدائية، من دون أن يتلقّى في المقابل أي ردّ فعلي حقيقي.

فباراك لم يكلّف نفسه حتى مناقشة مضمون المذكرة، بل كرّر في مؤتمره الصحافي أن لا أجوبة أميركية جاهزة، ولا ضمانات، ولا قدرة على إرغام إسرائيل على شيء. أما اللجنة الثلاثية التي يفترض بها مراقبة الانتهاكات الاسرائيلية، فهي لا تجتمع أصلاً، في وقت تواصل فيه إسرائيل غاراتها على الجنوب من دون توقف، وتستعد لتوسيع هامش عملياتها أكثر.

الحزب يشترط.. وباراك يعفي إسرائيل

في المقابل، لا يتزحزح “حزب الله” عن موقفه: لا نقاش بسلاحه قبل وقف الانتهاكات الاسرائيلية والانسحاب الاسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة. ومع إغلاق باب الضغط الأميركي، يدرك الحزب أن لا مسار تفاوضي جدياً يلوح في الأفق، ما يدفعه نحو مزيد من التشدد والتصعيد السياسي، ورفع السقوف في لحظة لا يملك فيها لبنان ترف الخيارات.

مشهد يستنسخ ما قبل الحرب

زيارة باراك أعادت إلى الأذهان أجواء الصيف الماضي، حين زار هوكشتاين بيروت برسائل “تطمينية” لم تُترجم على الأرض، فاندلعت بعدها الحرب. والفرق الوحيد أن زيارة باراك تأتي في لحظة أكثر هشاشة: إسرائيل تواصل غاراتها اليومية، إيران لم تطوِ صفحة التصعيد، وسوريا تغلي على أكثر من جبهة، بينما لبنان يتخبّط في صراعاته الداخلية ومأزقه الاقتصادي.

والمفارقة أن باراك نفسه، وفي مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس”، أقرّ بأن إسرائيل تفضّل سوريا مجزأة، وتخشى الدول العربية المركزية القوية، ما يعكس فلسفة أمنية قائمة على إدارة الفوضى، لا بناء الاستقرار. ومن هذا المنطلق، فإن تل أبيب لا تبحث عن تهدئة دائمة لا في سوريا ولا في لبنان، بل عن ترسيم جديد لمعادلات الردع، بالقوة.

المقلق أن زيارة باراك لم تكن مجرد فشل ديبلوماسي، بل خطوة إضافية نحو نزع أي كوابح دولية أمام اندلاع المواجهة. فعندما تُرفع كل أدوات الضغط، وتُترك إسرائيل حرة في الميدان، ويُشطب الحزب من معادلة الحوار، وتُترك الدولة اللبنانية معلقة بين المبادرات، يصبح العدوان احتمالاً راجحاً لا مفاجأة.

وهكذا، تُرسم معادلة الصيف: إسرائيل جاهزة لعدوان “مبرّر” بأي ذريعة، الحزب متمسّك بموقفه من دون مرونة، الدولة تُبلّغ مذكرات لا تُقرأ، وواشنطن تنسحب بهدوء، وتراقب.

في هذا المشهد، الكل يتهيّأ، والعدّ العكسي قد بدأ… والسؤال لم يعد هل تقع الحرب، بل متى، وبأي ثمن؟

شارك المقال