هي ليست جلسةً حكومية عادية مرّت مرور الكرام، بل جلسة سُجّلت في التاريخ تحت عنوانٍ عريض: “حصر السلاح غير الشرعي بيد الشرعية اللبنانية الوحيدة المولجة حماية لبنان وشعبه وأرضه”.
العبارة التي وردت في ختام الجلسة، ومفادها “تكليف الجيش اللبنانيّ لوضع خطة لحصر السلاح قبل نهاية العام وعرضها على مجلس الوزراء قبل نهاية الشهر الحالي”، كانت كفيلة بإعادة الاعتبار إلى شرعية الدولة، وأعادت البلاد إلى ما نصّ عليه اتفاق الطائف بحذافيره، لجهة إلغاء وجود الميليشيات اللبنانية التي تخضع لسياسة المحاور، والتي شرّعت لنفسها الوجود داخليًا خدمةً لأجندات لم تجلب للبنان سوى الخراب والمآسي والحروب.
وهو ما يتناقض تمامًا مع ما يحاول تسويقه الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الذي بات مؤخرًا يتحدث باسم الدستور واتفاق الطائف، بعدما كان يرفض الاعتراف بهما. فاليوم، يحاول قاسم أن يُقحم “المقاومة” ضمن ما يعتبره مظلة الطائف، في محاولة لشرعنة دور الحزب ضمن المؤسسات. ولكن لا بد من مساءلته: من منحك الحق في تنصيب حزبك جزءًا من اتفاق الطائف، الذي لم يُجِز في أي من بنوده دعم ميليشيا أو تنظيم خارج عن الدولة، بل شدد على احترام شرعيتها، وعلى أن حصر السلاح وقرار الدفاع مناط فقط بالمؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية؟
ورغم ذلك، لا يمكن لوم الحزب كثيرًا هذه الأيام. فإلى جانب سلسلة خساراته المتراكمة منذ ما يقارب العام، لم يعتد على عهد يقول كلمته وينفذها كما هي، بل اعتاد المناورة والالتفاف من أجل كسب الوقت وتحقيق مكاسب سياسية ولو داخل بيئته الضيقة. لكن ما حصل في الجلسة الحكومية الأخيرة شكّل تحولًا لافتًا، إذ خضع الحزب لإرادة الدولة اللبنانية من دون أن يُمارس عليه أي ضغط أو يُكسَر، بل ضمن منطق “الدولة” القادرة على تنفيذ ما عجزت عنه العهود السابقة، لا سيما عهد حليفهم السابق، الرئيس ميشال عون، الذي وفّر لهم الغطاء المسيحي والشرعية المطلوبة، مقابل مكاسب أوصلته إلى قصر بعبدا.
وصحيح أن العلاقة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” باتت شبه منتهية الصلاحية، إلا أن الحزب يحاول اليوم إعادة التموضع مع حلفائه السابقين، من خلال سلسلة زيارات سياسية لافتة. ففي اليومين الماضيين، زار الرئيس السابق ميشال عون في الرابية، وفي الأمس التقى وفدٌ من الحزب رئيس التيار، النائب جبران باسيل، في ميرنا الشالوحي. واللافت أن باسيل كان واضحًا في مواقفه الأخيرة، على الأقل إعلاميًا، بتأييده نزع سلاح الحزب من دون أي مواربة. وربما بات الحزب مقتنعًا اليوم بضرورة لبننته داخليًا، وإعادة تموضعه كحزب سياسي غير عسكري، ضمن حدود مشابهة لسائر القوى السياسية، لا يتفوق عليها بذريعة امتلاكه “السلاح” أو بفضل دويلته التي بناها على مدى السنوات الماضية.
أما في ما يتعلق بجلسة مجلس الوزراء التي انعقدت في القصر الجمهوري في بعبدا، برئاسة الرئيس جوزاف عون، فبالرغم من النقاش الطويل الذي دار داخلها، إلا أن أكثر من أربع ساعات كانت كفيلة بإنهاء مسار طويل أنهك البلاد وفتك بسيادتها. وبحسب معطيات موقع “لبنان الكبير” نقلاً عن مصادر وزارية، تخللت الجلسة نقاشات بنّاءة، مع إصرار واضح من الرئيس نواف سلام على تحديد جدول زمني لحصر السلاح، ما دفع الأقلية إلى الرضوخ لإرادة الأغلبية. وقبيل انتهاء الجلسة بدقائق، انسحب وزراء “الثنائي الشيعي”، في خطوة بدت أشبه بإعلان إنسحابهم من الجلسة.
وهذا الانسحاب والاعتراض في اللحظات الأخيرة من قِبل وزراء “الثنائي” يثير تساؤلات عمّا إذا كانت هذه الخطوة مجرد تسجيل موقف شعبوي، أم أنها ستتجاوز ذلك لتتحول إلى مقاطعة للجلسات الوزارية المقبلة.
وفي المقابل، أفادت المعلومات التي حصل عليها “لبنان الكبير” بأن الوزراء اطّلعوا خلال الجلسة على ورقة الموفد الأميركي، توماس باراك، التي وصلت في اليومين الماضيين، وتضمنت 11 بندًا، أبرزها تحديد جدول زمني لتسليم السلاح، إلى جانب نقاط أخرى تتعلق بترسيم الحدود مع سوريا، والانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات على لبنان، وعودة الأسرى، ودعم الجيش اللبناني، وإعادة الإعمار. وسيُستكمل النقاش حول هذه البنود في جلسة الخميس.
وفي حديث خاص لـ”لبنان الكبير”، أشارت مصادر حكومية إلى أن “الجيش سيعدّ الخطة، ويعرضها على الحكومة للموافقة عليها وإقرارها”.
ورغم أن القرار الرسمي اتُخذ خلافًا لإرادة “حزب الله”، إلا أن كلمة الشيخ نعيم قاسم خلال انعقاد الجلسة جاءت محاولةً لحرف الأنظار، وبث رسائل تعبئة داخلية لجمهوره، إذ هدّد إسرائيل بمئات الصواريخ في حال شنّ عدوان، وحاول التهويل بشكل كبير. إلا أن الرد الإسرائيلي أتى سريعًا، عبر استهداف سيارة في منطقة البقاع، وسط تحليق كثيف للطائرات المسيّرة على علوّ منخفض في مختلف المناطق اللبنانية.


