محاولات وضغوط لاستعادة “أسيرات” طرابلس والشمال من مخيّم الهول!

إسراء ديب

يُحاول المواطن خالد أندرون استعادة ابنته آلاء، المحتجزة في مخيّم الهول السوريّ منذ ثمانية أعوام بكلّ الطرق الممكنة، لكن دون جدوى، حيث يطرق الوالد المفجوع على ابنته الثلاثينية (التي أُصيبت بلغمٍ أرضي العام 2019 خلال محاولتها الهرب من المخيّم إلى لبنان مع بناتها الثلاث)، كلّ الأبواب ويُناشد الجهات كافّة لتقديم المساعدة والعون لابنته التي أصبحت مقعدة وتُعاني من آلامٍ شديدة وعدم تمكّنها من تلقّي العلاج اللازم وإجراء العملية المطلوبة منها منذ ذلك الوقت حتّى اليوم.

يُناشد أندرون، الذي يتحدّث باسم الأهالي في الشمال (وهم من مناطق مختلفة مثل الزاهرية، القبّة، أبي سمراء والرفاعية، الضنّية والمنية)، المعنيين ضرورة التعجيل بإنهاء هذا الملف العالق منذ عشرة أعوام، والذي أدّى إلى احتجاز عائلات شمالية (انضمّت إلى صفوف تنظيم الدّولة الإسلامية “داعش”) في المخيّم الذي يقع شمال شرق سوريا، وذلك بعد هزيمة التنظيم وتقدّم قوّات سوريا الدّيمقراطية “قسد” إلى المناطق التي كانت خاضعة لسيطرته سابقًا. وقد أصبحت عودة هؤلاء (بينهم نساء وأطفال، وخصوصًا بعد مقتل أزواجهن) مرهونة بدفع مبالغ طائلة للمهرّبين والاعتماد على وساطات وجهود عدّة عُرقلت بسبب مسؤولٍ أمنيّ سابق في لبنان، حسب معطيات “لبنان الكبير”.

ويقول أندرون لـ “لبنان الكبير”: “ابنتي (35 عامًا) أصبحت مقعدة جرّاء إصابات بالغة لم تُعالج كما يجب، وعلى الرّغم من انتهاء فترة علاجها، فإنّ شفاءها التام يتطلّب عملية جراحية لا يُمكن إجراؤها إلّا في لبنان، ولقد حاولت مرارًا تأمين مساعدة لها ولبناتها المصابات معها، وللأسف، وقعت هذه الحادثة، بعد أنْ دفعت 20 ألف دولار لإعادتها إلى لبنان، ولكن انفجر فيها اللغم وأصابها هي وبناتها، ممّا زاد من مأساتها، لا سيما بعد وفاة زوجها وابنها في المخيّم”.

ويُضيف: “لم يعد يشغل بالي في هذه الدنيا سوى استعادة ابنتي، تمامًا مثل بقيّة النّساء والأطفال المحتجزين هناك، فهم أبرياء وليس لهم أيّ صلة بالنّزاع. أمّا ابنتي، فقد لحقت بزوجها منذ أعوام، ظنًّا منها أنّه في تُركيا كما علِمت، وعندما سافرت لم تجده، ثمّ قام البعض بنقلها إلى الرقّة من دون علمها التفاصيل، وللأسف لم تستطع العودة، ولو كنت أعلم ما سيحدث معها، لمنعتها من السفر”.

ويُتابع قائلًا: “على الرّغم من أنّني موظّف ودخلي بسيط من عملي في بيع الملابس، إلا أنّني اقترضت الأموال لاستعادة ابنتي، حتّى أنّني أُرسل إليها شهريًا مبلغًا ماليًا يتجاوز راتبي وقدرتي لكيّ تتمكّن من العيش”.

ويُوضح أندرون أنّ إعادة النّساء والأطفال ممكنة وسهلة، لكنّها تتطلّب موافقة الأمن العام اللبنانيّ. وفي تطوّر لافت في هذا الصدد، كلّفت اللجنة الدّولية للصليب الأحمر الراهبة فاديا اللحام (مسؤولة مستوصف مار يعقوب بسجن الهول) بإجراء فحوصات الحمض النوويّ (DNA) للأطفال للتأكّد من نسبهم اللبناني، استعدادًا لعودتهم مع أمّهاتهم إلى لبنان.

في الواقع، تتباين الآراء حول هذه الخطوة المدرجة في الملف، إذْ اعتبرها البعض جيّدة، بينما انتقدها آخرون لعدم شمولها عودة الأطفال الذين أنجبتهم لبنانيات من سوريين خلال تلك الفترة. كما انقسمت الآراء حول تعيين الراهبة نفسها بسبب انتقاد مواقفها السياسية المنسوبة إلى دعمها للنّظام السوريّ السابق، مع أنّ الأهالي لا يكترثون بهذا التفصيل، لأنّهم يرون أنّ تعيينها بحدّ ذاته يُعدّ إيجابيًا وحياديًا.

وفي مخيّم تملأه الخيام المهترئة، ينتظر 19 شخصًا من طرابلس والشمال (نساء وأطفال)، العودة إلى لبنان. وهم: آلاء خالد أندرون من طرابلس- القبة مع بناتها الثلاث: (لين، مريم وماريا إيعالي)، عائشة محمّد عدلي قرق ومايا أحمد غصن، وهما زوجتا بسام بيتية من طرابلس، وأولادهما: منى (مواليد 2013)، إبراهيم (2014)، أحمد (2016)، وساجدة (2017)، إضافة إلى براءة (2007)، خديجة (2009)، حبيبة (2011)، حفصة (2013)، ويوسف أثير عوّاد. كما توجد لبنانية أُخرى في مخيّم روج وهي: إيمان أسعد سعد الدّين (مواليد 1992)، وأولادها من يحيى رعد وهم: أحمد (8 أعوام)، سيرين (7 أعوام)، بالإضافة إلى فارس محمّد أبو شاري (4 أعوام).

المحامي محمّد صبلوح، الذي يُتابع تفاصيل الملف، يُؤكّد غياب الجدّية فيه، وفي الوقت عيْنه، يُعرب عن قلقه من المداهمات المستمرّة التي تُنفذها (قسد) أخيرًا في المخيّم، والتي تُثير ذعر الأطفال والنّساء، ممّا يضع الدّولة اللبنانية أمام مسؤوليات تفرض ضرورة استعادة العائلات العالقة هناك، خصوصًا أنّها لم تتورّط في جريمة أو إرهاب، بل “تعيش في بيئة غير سليمة، ونريد انتشالها منها سريعًا”.

ويقول لـ “لبنان الكبير”: “نأسف لأنّ الأهالي دفعوا آلاف الدّولارات لمهرّبين من قسد لاستعادة أبنائهم الذين يعيشون ظروفًا قاسية، وقد تتراوح هذه التكلفة بيْن 20 إلى 60 ألف دولار، ممّا اضطّر بعضهم لبيع كلّ أملاكه، وهو ما يُرهق الأهالي الذين تمكّن بعضهم من استعادة أبنائه، خصوصًا ممّن يحملون الجنسية الأسترالية، بينما عجز آخرون عن هذه الخطوة، على الرّغم من محاولاتهم المتكرّرة لحلّ هذا الملف”.

ويُضيف: “لقد اجتمعوا مع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وغيره من المسؤولين لبحث القضية، وكلّف ميقاتي حينها المدير العام السابق للأمن العام اللواء عبّاس إبراهيم الذي رفض استعادة هذه العائلات، لكنّنا أعدنا تحريك هذه القضية الحساسة وطالبنا باستعادتهم، ولو بحافلةٍ واحدة، لأنّ بقاءهم مستحيل في مخيّم لا يُوفّر للمحتجز أبسط المقوّمات”.

وفي العهد الجديد اليوم، يُشير صبلوح إلى أنّ القرار يقع بيْن ثلاث جهات: رئيس الحكومة نوّاف سلام الذي تعهّد بالمتابعة، وزير الدّاخلية أحمد الحجار، والمدير العام للأمن العام العميد حسن شقير، مع التأكيد أنّ “المتابعة مستمرّة إلى حين البتّ في قرارٍ عادل”.

علاوة على ذلك، تكشف معلومات “لبنان الكبير” أنّ (قسد) لم تكتفِ بالحصول على موافقة الأمن العام لإعادة اللبنانيين، بل استعاضت عنها بتوقيع أيّ مسؤول لبناني، ولو كان مفتي طرابلس والشمال، الشيخ محمّد إمام، على وثيقة تُفيد بموافقته على عودتهم إلى لبنان. وتُبيّن هذه المعلومات أنّ المفتي لم يُوقّع على تلك الورقة حتّى الآن.

شارك المقال