محاولات لتقويض الوحدة “السنّية” في ملف العفو… “مكاتب بثّ الشائعات اشتغلت”

إسراء ديب

استغربت فعاليات شماليّة من تحوّل مسار النّقاش حول ملف العفو العام، فبدلًا من التركيز على أسباب تعثّر إقراره عقب تأجيل جلسة أمس دون مبرّرات مقنعة، أو التساؤل عن موافقة بعض الكتل والنوّاب على إطلاق سراح آلاف الموقوفين من القتلة، تجار المخدّرات والعملاء مع استثناء 146 موقوفًا إسلاميًا، انصبّ الحديث في الساعات الأخيرة على أداء النوّاب السنّة الذين اقترحوا القانون أساسًا لمعالجة مشكلة اكتظاظ السجون ورفع المظلومية. وقد تداول المتابعون منذ ساعات أنباء تُركّز على النّائب أحمد الخير، وتتهمه بزيارة السجناء المحكومين في سجن رومية، أبرزهم الشيخ أحمد الأسير، وذلك دون التنسيق مع زملائه النوّاب، معتبرة أنّه يتفرّد في قراراته ويُحاول تحقيق “بطولات وهمية” على حساب الآخرين.

في الواقع، يُعدّ الاجتماع الطارئ الذي عقده عشرون نائبًا سنّيًا اليوم، ردًّا أو دليلًا قاطعًا على دحض ما تداولته الأنباء خلال الساعات الأخيرة حول غياب التنسيق بيْن النوّاب السنّة في هذا الملف. وقد حضر اللقاء كلّ من النوّاب: بلال الحشيمي، إيهاب مطر، وضاح الصادق، فيصل كرامي، أحمد الخير، أشرف ريفي، فؤاد مخزومي، عبد الرّحمن البزري، محمّد سليمان، عبد العزيز الصمد، نبيل بدر، طه ناجي، عدنان طرابلسي، وليد البعريني، حسن مراد، محمّد يحي، كريم كبّارة، ⁠بلال عبد الله، إبراهيم منيمنة وعماد الحوت. وقد بحث النوّاب في ملف العفو العام، في ضوء الاتصالات واللقاءات الجارية مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام، إلى جانب مختلف القوى والمرجعيات السياسية، وذلك “بهدف تأمين المناخ الوطني والسياسي اللازم للوصول إلى صيغة عادلة ومتوازنة لهذا الملف الوطني والإنساني”.

وبعدما أكّد المجتمعون أنّ “ملف العفو العام قضية وطنية وإنسانية بامتياز، من شأنها رفع الظلم عن شرائح واسعة من الشعب اللبناني بمختلف فئاته، وأشاروا إلى أنّ النّقاش داخل اللجان المشتركة قد بلغ مرحلة متقدّمة بفضل تقريب وجهات النّظر، طالبوا بعقد اجتماع طارئ وفتح جلسات اللجان المشتركة خلال مهلة لا تتجاوز أسبوعًا، لاستكمال البحث والبتّ النهائي في جميع بنود اقتراح القانون، تمهيدًا لإحالته إلى الهيئة العامّة لإقراره وفق الأصول الدستورية، بما يضمن معالجة هذا الملف بروح العدالة والإنصاف، بعيدًا عن أيّ اعتبارات سياسية أو فئوية.

من هنا، أشارت أوساط مقرّبة من النّائب إيهاب مطر لموقع “لبنان الكبير” إلى أنّ التطرّق إلى التفرقة الطائفية في هذا الملف، بعيد كلّ البعد عن روحية القانون الوطني الذي طرحه النوّاب السنّة في البرلمان. وأكّدت هذه الأوساط، أنّ المطلوب اليوم هو تحقيق العدالة، بعيدًا عن المهاترات السياسية وتسييس القضيّة الإنسانية التي انتُهكت بسببها كرامات النّاس، مشدّدة على ضرورة عدم عرقلة جهود النوّاب الرامية إلى مناقشة بنود القانون وتقريب وجهات النّظر عبر الوسائل الدستورية، سعيًا لإنصاف الموقوفين المظلومين.

وبعد انتشار هذه المعلومات أمس، أبدى المواطنون، لا سيّما في الشمال، صدمتهم من تداول هذا الموضوع، خصوصًا في ظلّ استمرار الجدل حول ملف العفو العام. وفي هذا السياق، رأى المحامي محمّد صبلوح، المتابع لملف العفو، في حديثٍ لموقع “لبنان الكبير” أنّ الشائعات أو الأخبار التي تروّج حاليًا، ليْست سوى محاولة “ملعوبة” لضرب الوحدة السنّية التي تجلّت في تبنّي مطالب هذا الملف.

وقال صبلوح: “منذ طرح مشروع القانون الذي يُعالج أوضاع السجون، أقحمونا في المزايدات الطائفية، ولكن لوحظ فعليًا انزعاج البعض من الوحدة السنّية، وصل إلى اتهام الخير بشائعات. ومن أطلقها، يسعى لإشعال نار الفتنة بيْن النوّاب، وهو أداء أمني مشبوه يُثير الريبة والتساؤلات، ولا يصدر إلّا عن غرف بث الشائعات الأمنية التي اشتغلت لتستهدف إجهاض جهود أيّ نائب يسعى لتحقيق نتيجة عادلة ننتظرها منذ أعوام”.

وأضاف: “هذه المحاولات لن تُجدي نفعًا، فهي مكشوفة أوّلًا، ولن تلقى قبولًا من أيّة جهة ثانيًا، ومن يُتابع ملف العفو العام، يعلم أنّنا طالبنا منذ تولّي الرّئيس جوزاف عون منصبه، بالعدالة الانتقالية التي تضع حدًّا للممارسات التي تُشبه نهج نظام بشار الأسد، والتي بدأت تتكشّف فضائحها وستتوالى في ظلّ استمرار الظلم. أمّا من أثار اليوم الحديث عن زيارة الخير للموقوفين، بهذا الشكل المريب، فهو الدّولة العميقة التي ما زالت تُمارس وتستمتع بالأساليب الأسدية الظالمة والقائمة على الحقد الدفين، وذلك لتبثّ سمومها ضدّ مشروع وطنيّ يُعالج هذه المشكلة”.

من جهته، يُؤيّد مصدر من أهالي الموقوفين ما ذكره المحامي صبلوح بشأن وجود محاولات للوقيعة بيْن النوّاب السنّة، ويُضيف لموقع “لبنان الكبير”: “هناك مساع لعرقلة إقرار القانون لأجنداتهم الخاصّة، ومن هذا المنطلق، سرّبوا أخبار زيارة الخير إلى سجن رومية، مركّزين فيها على لقائه بالشيخ الأسير، مع العلم أنّه زار برفقة عدد أعضاء لجنة الأهالي السجن، والتقى بمشايخه وفعاليته وعموم السجناء، لا بشخص بعيْنه كما يُحاولون الترويج”.

مصادر من المنية، أكّدت أنّ الزيارة حدثت بالفعل، إلا أنّها كانت سرّية أساسًا، وتندرج ضمن سلسلة زيارات قام بها النّائب خلال الفترة الأخيرة، كان آخرها مع رئيس الجمهورية، وزير الدّاخلية أحمد الحجّار، مع مشاركته في اعتصامات ميدانية مرتبطة بهذا الملف أيضًا.

وأوضحت المصادر لموقع “لبنان الكبير” أنّ أحدًا لم يرفض هذه الزيارات، خلافًا لما يُتداول، “بل على العكس، فقد لاقت تأييدًا جماعيًا، وهي تستكمل تحرّكات النوّاب لإنهاء هذا الملف”، معتبرة أنّ كلّ ما قيل ويُقال، ليس مجرّد شائعات فحسب، بل محاولة رخيصة للإيقاع بيْن النوّاب وضمن كتلة الاعتدال الوطني الواحدة، وهو أمر مستبعد ولكنّه لا يبتعد عن الحملات التي تستهدف نوّاب الشمال أو السنّة تحديدًا أخيرًا، لتوحّدهم اليوم حول مطلب واحد: تحقيق العدالة، التي باتت للأسف بعيدة المنال في ظلّ هذه الدّولة البوليسية”.

شارك المقال