​في ذِكْرِ زياد… لا نِسيان

الراجح

​كثيرون في هذه البلاد حمولةٌ زائدةٌ في عنبر السفينة التي تمخر اليمَّ؛ إما من أوطانهم مهاجرين، وإما إلى أوطانهم عائدين!

وإذا ما تغيّر النَّوْء، واكفهرّت رياح الجنوب — ودائماً الجنوب — ترميهم السفينة إلى القاع؛ لأنهم مجرد حمولة زائدة.

كان زياد الرحباني لوطنه أولَ الكلامِ وآخرَ النَّفَس.

لم يكن زياد الرحباني علاءَ الدين ومصباحَه السحري، ولم يكن يلبس العمامة — لا الخضراء ولا السوداء — ولم يخطط للعيش ألفَ ليلةٍ وليلة؛ بل كان عاشقاً للفن وللحياة، وعشقُ الحياة لا يُقاس بالأيام والليالي…

​كان زياد يطلب من محدّثيه أن ينظروا في عينيه ليتأكدوا أن لديهم عينين كعينيه، لكن الاختلاف يكمن في النظرة إلى الأمور!

لم يكن زياد يعتلي بساطه السحري، ولم يكن لديه عبدٌ يقول: «لبيّك سيدي!»، بل كان يقول:

«في شرقنا كانت لنا عجائب، وحدثتنا شهرزاد عن مجوننا وموتنا.. لكنّ الصباح قد طلع، وآن لشهرزاد أن تسكت عن الكلام المباح!»

​فلماذا تخطفون النور من عيوننا؟ وتحرقون الأرض تحت أقدام الصغار الذاهبين إلى المدارس؟ وطائراتكم تئز في سمائنا لتسرق النوم من العيون…

كل طفل من هؤلاء يقول: «لستُ من فَعَلَ المحارق، ولستُ من أُدِينَ بقتل الهنود الحمر».

لماذا تخطفون النور من عيوننا؟

​«أنا مش كافر»… ففي شرقنا التعيس هذا وُلِدَ المسيح وقبله موسى، وفي الحجاز كان الختام، ومن المسيح كان البدء والسلام…

«أنا مش كافر»… آن الأوان لتسكت شهرزاد لأنه قد طلع الصباح؛ وآن الأوان لعودة الأطفال ليزرعوا الورود في الحقول، ولنزرع وردةً لا تشبهها بقية الورود، عصيةً على الرحيل… سمّوها: زياد.

شارك المقال