مهرجان كان: انطلاقة نضالية بتوهج نسوي 

لبنان الكبير

انطلقت النسخة 77 لمهرجان كان مساء أمس الثلاثاء بحضور نخبة من السينمائيين الفرنسيين والعالميين. وكانت انطلاقة هذا العرس السينمائي الدولي بنبرة نضالية، حضرت فيها خصوصاً قضية المرأة، لا سيما على مستوى الفن السابع، ما عكس صدى ما يتردد هذه الأيام في فرنسا حول الاعتداءات الجنسية في هذا المجال. وشهد الحفل تكريم الممثلة الأميركية الشهيرة ميريل ستريب، كما عرض أول عمل سينمائي هو “الفعل الثاني”، خارج المنافسة. وشهد الحفل إقبالاً كبيراً من الصحافيين وعشاق السينما من جميع ربوع العالم. وانتظر الصحافيون والمدعوون في طوابير طويلة أمام قصر المهرجان لحضور هذا الحفل.

عشاق السينما في كان

يقف عادة في مثل هذه المناسبات أشخاص قبالة قصر المهرجان لعلهم يحصلون على دعوة لمشاهدة فيلم. وفي يوم الافتتاح كان باتريك، وهو في الخمسينيات من العمر، ضمن هؤلاء. يرتدي بذلة أنيقة ويحمل لافتة صغيرة من الكرتون، كتب عليها بخط غليظ “دعوة” وتحتها بحروف أرق “من فضلكم”.

يعرض باتريك لافتته أمام العابرين بابتسامة لا تأفل، آملاً في أن يتكرم عليه أحد المدعوين ممن استحال حضورهم في آخر لحظة، لسبب من الأسباب بتذكرته. “لا يهم كم سأبقى واقفاً هنا. أتيت لأجل مشاهدة فيلم الفعل الثاني Le Deuxième Act، الذي عرض خارج المسابقة، وحضور حفل الافتتاح”، يقول هذا الرسام، مؤكداً أنه لم يحضر لأجل الفيلم المذكور تحديداً أو لمتابعة افتتاح هذا الحدث السينمائي العالمي، “لقد جئت لأني من عشاق السينما عموماً. لا أملك تلفزيوناً في البيت وأفضل مشاهدة الأعمال السينمائية باستمرار”.

وعلى عكس باتريك، فضلت سائحة أميركية الحديث بعيداً عن الميكرفون: “لا أريد الحديث للصحافة”، قبل أن تضيف بلغة فرنسية مفككة، أنها أتت إلى كان خصيصاً لحضور فعاليات المهرجان، مستطردة بابتسامة عريضة: “أعشق كان”.

وتنتعش الأسواق في هذه المدينة الصغيرة والجذابة بجنوب شرق فرنسا خلال أيام المهرجان بشكل ينعكس إيجاباً على مداخيل التجار. “هذا الموعد هو البداية الحقيقية لانتعاش الحركة التجارية في المدينة بعد شتاء هادئ للغاية. وهذا الانتعاش يدوم حتى آخر الصيف”، يصف صاحب متجر هذه الأجواء في مدينته التي تتحول إلى محج يأتيها الناس من كل حدب وصوب من العالم.

انطلاقة نسوية

انطلاقة المهرجان كانت نسوية مئة بالمئة، تناوبت خلالها خمس نساء على منصة المهرجان، فيما أدارت برقة ودقة كبيرتين الممثلة كاميل كوتين حفل الافتتاح، الذي تحدثت فيه بلغة تحمل الكثير من الدلالات على بداية عهد جديد في السينما الفرنسية خصوصاً والعالمية عموماً بعد حركة “مي تو” [أنا أيضاً] ضد الاعتداءات الجنسية في وسط الفن السابع.

ويعرض فيلم وثائقي اليوم الأربعاء بافتتاح مسابقة “نظر ما”، أثار الكثير من الجدل، في المهرجان للمخرجة الفرنسية جوديت غورديش بعنوان “أنا أيضاً”، يحمل شهادات نساء كن ضحايا الاعتداءات الجنسية، ويمتد لـ17 دقيقة، جمعتها المخرجة التي أصبحت أيقونة في محاربة الاعتداءات الجنسية بالوسط الفني الفرنسي، واتهمت مخرجاً بالتحرش بها عندما كانت في عمر المراهقة.

وجدد المهرجان عملية “افتتاح” التي يشرك فيها المئات من دور السينما عبر التراب الفرنسي لبث مراسم حفل اليوم الأول من هذا الحدث السينمائي الدولي. وأفادت أرقام أن الحفل تابعه أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون عبر القناة الثانية الفرنسية و”فرانس تي في”.

ويشرح المهرجان سياسته في الانفتاح على دور المسرح والسينما في بث حفل الافتتاح، أنه “في كل عام، يشارك المزيد من المسارح والعارضين في هذه المبادرة التي تهدف إلى مشاركة الجمهور الفرنسي في الأمسية الأولى من هذا الاحتفال الكبير بالسينما. تعد هذه العملية فرصة للتأكيد من جديد على قيمة السينما وأهمية التجربة المشتركة والسماح لأكبر عدد ممكن من محبي السينما بالمشاركة في هذا الحدث”.

سعفة فخرية لميريل ستريب

خصص المهرجان سعفة فخرية للممثلة الكبيرة ميريل ستريب في أجواء جميلة واستثنائية، هزت مشاعر النجمة المحتفى بها والممثلة الفرنسية الموهوبة جولييت بينوش التي قدمت لها السعفة كفنانة وامرأة “غيرت النظرة التي نرى بها النساء في السينما والعالم وأعطتنا صورة جديدة عنا”.

وبعدها، أفسح المجال لعرض فيلم “الفعل الثاني”، وهو أول فيلم يعرض في هذه الدورة، للمخرج الفرنسي كونتان دوبيو الذي أبدع على كل المستويات في هذا العمل، واستطاع أن ينتزع فعلاً الكثير من الضحكات من الجمهور الحاضر.

وبعد افتتاح ملتزم ومؤيد لقضية المرأة، يكاد يكون نضالياً، أدخل الفيلم الجمهور في أجواء جديدة، سادت فيها البسمات والقهقهات أيضاً. وعاش الحضور قصة تبدو بسيطة لكنها ذات عمق كبير حول الحدود التشريعية التي رسمت تفادياً للانزلقات اللفظية حول أقليات معينة، حاول المخرج السخرية منها بفيلم في فيلم. فكان الجمهور أمام قصة الفيلم، وقصة الكواليس، وكلاهما في أجواء الابتسامة والضحك.

شارك المقال