من المتوقع أن تكون الثقة التي سيمنحها المجلس النيابي للحكومة (في أعقاب رفع “الحصار” الإسمنتي عن مبناه في ساحة النجمة، بعد إزالة كل الحواجز و”التحصينات” التي كانت تحيط به)، مرتفعة بعد الإنتهاء من مناقشة البيان الوزاري، الذي وصف بالإضافة الى خطاب القسم بأنه بمثابة “بيان تأسيسي” للبنان “الجديد”، علماً أن عدد طالبي الكلام يبلغ 60 نائباً، أي نصف عدد أعضاء المجلس تقريباً)، اذ تشكل هذه المناسبة فرصة للإطلالات الإعلامية، ولا يمكن حصر مداخلات النواب المستقلين وعددهم ليس بقليل، علماً أن هناك اختلافاً في الوقت الذي يعطى للنائب إذا كان يتحدث ارتجالياً أو بنص مكتوب، بحيث يسمح للأول بضعف الوقت المخصص للثاني، ما قد يدفع رئيس المجلس الى تمديد جلسات المناقشة يوماً إضافياً.
يذكر أن البيان الوزاري الذي تلاه رئيس الحكومة نواف سلام، يستند في فحواه إلى اتفاق الطائف والدستور، ومن خلالهما تعد الحكومة بتقوية هذه الدولة ومؤسّساتها، وتمكين الجيش من القيام بدوره في حماية الحدود، إذ يحتل مفهوم الدولة وحفظ سيادتها الصدارة في البيان الوزاري، بحيث تتحمل الدولة وحدها مسؤولية الدفاع عن سيادة لبنان وأمنه وحدوده، وتلتزم هي نفسها تنفيذ القرار 1701.
وستأتي “الثقة” المؤكدة لحكومة العهد الأولى، لتشكل ثقة إضافية ومريحة للدولة، بعدما نجحت وقواها العسكرية والأمنية “النظامية” في المحافظة على النظام وتأمين سلامة المشاركين في تشييع الأمين العام السابق ل “حزب الله” الشهيد حسن نصر الله، وقطع الطريق أمام أي محاولات لإثارة أعمال فتنوية ومخلة بالأمن، بعدما إنحصرت الإجراءات والتدابير الأمنية الصارمة والمشددة بها، وإقتصار دور الحزب على الأمور التنظيمية واللوجيستية لمراسيم التشييع، ما إضاف الى الجيش والقوى الأمنية جرعة ثقة وتقدير بقدراتها وإمكاناتها عندما يتوافر الغطاء السياسي لها، خصوصاً وأنها المرة الأولى في تاريخه، التي تغيب فيها أجهزة الحزب الأمنية والعسكرية عن تولي حماية أي نشاط له، وتسليم الأمر للدولة، ما يشي بدلالة بالغة، ربما لم يتم التوقف عندها بالقدر المطلوب، نظراً الى مهابة المناسبة، بحيث أن هذا التسليم الأمني للشرعية، يشكل وجهاً من أوجه “التحول” المنتظر في أداء الحزب من جهة، وفي جدية الدولة ببسط سلطتها كاملة، لا سيما ذات الجانب الأمني والعسكري، خصوصاً وأن رئيس الجمهورية جوزاف عون شارك في مراسم التشييع، من خلال تكليف رئيس مجلس النواب نبيه بري تمثيله، ما يضفي على المناسبة الطابع الرسمي على أعلى مستوى في الدولة اللبنانية، فضلاً عن أن تكليف بري له “رمزيته” الرسمية و”الحركية”، بصفته أحد ركني “الثنائي” والمفوض من الحزب التفاوض باسمه.
وبعد نيلها الثقة، ينتظر الحكومة إستحقاقان داهمان، سيشكلان المؤشر الأهم لإنطلاقتها الجدية والصريحة لمواجهات التحديات الكبيرة التي تنتظرها، ويتمثلان في:
-تنفيذ القرار الدولي 1701، وهو الإستحقاق الأكثر تعقيداً، وخصوصاً مع التجاوز الإسرائيلي المتواصل للقرار 1701 ولمندرجات اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار المساعي الديبلوماسية الهادفة الى إجبار إسرائيل على الانسحاب من المواقع الخمسة الحدودية التي لا تزال تحتلّها، حيث تعمل على تكريس أمر واقع جغرافي سيتصل لاحقاً بعملية ترسيم الحدود، وإمكان إعادة فرض شروط جديدة من تلّ أبيب، بما ينقض كلّ المسار التفاوضي السابق حول النقاط العالقة.
-التعيينات الإدارية، إذ ان أكثر من نصف وظائف الفئتين الأولى والثانية شاغرة وتدار إما بالإنابة أو بالوكالة. ولا يمكن تحفيز الإدارة وانطلاق عملها ومواكبة الخطط والتعهدات التي أعلنتها الحكومة، من دون تعيينات تراعى فيها الكفاءة، وتكون بعيدة عن المحسوبيات والمحاصصة الحزبية والطائفية، وان كان الدستور اللبناني ينص على المناصفة بين الطوائف في وظائف الفئة الأولى.
ومن المقرر في جلسة الحكومة الأولى بعد نيلها الثقة، أن تتصدر عملها التعيينات الأمنية، في ضوء الشغور في منصب قائد الجيش والمدير العام للأمن العام، وشغلهما بالإنابة من اللواءين حسان عودة (الجيش) وإلياس البيسري (الأمن العام)، في حين لم يحسم تعيين مدير عام جديد لقوى الأمن الداخلي، بعد تمديد سن التقاعد للواء عماد عثمان سنة ثانية توالياً.
وينصب التركيز على منصب قائد الجيش، الذي يرشحه رئيس الجمهورية، خصوصاً أن الرئيس عون انتقل من مكتبه قائداً للجيش في اليرزة إلى قصر بعبدا بعد زهاء 8 أعوام على رأس المؤسسة العسكرية، وهو يعرف أدق تفاصيلها، بعدما قادها في أصعب ظروف اقتصادية، وانقسامات سياسية عرفتها البلاد.
معلوم أن منصب قائد الجيش محط أنظار دول كبرى فاعلة في طليعتها الولايات المتحدة الأميركية التي تدعم الجيش اللبناني وتزوده بالسلاح والعتاد، وتعول على دوره كمؤسسة أمنية رسمية تقوم بأصعب المهمات وأدقها، وخصوصاً في الفترة الحالية التي تشهد تطبيقاً جدياً للقرار الأممي 1701، ومطالبة دولية بنزع كل سلاح غير شرعي، مع جهة لبنانية أو غيرها، وبسط سيادة الدولة على الأراضي اللبنانية.
هذان الإستحقاقان، يشكلان الإختبار الجدي لمدى الإنطلاقة السليمة والصحيحة للحكومة، ومن خلفها العهد في الشروع بعملية الإنقاذ والاصلاح، اللذين تحمل إسميهما.


