بيروت تجاوزت “القطوع”… ولكن!

جورج حايك

صحيح أن المناصفة تحقّقت في بيروت من خلال فوز لائحة “بيروت بتجمعنا”، التي تشكّلت من تحالف مكوّن من عدة أطراف، شملت الأحزاب المسيحية من جهة، وفؤاد مخزومي، والأحباش، والثنائي الشيعي من جهة أخرى. وكان من البديهي، بل من الضروري، أن يتكوّن مثل هذا التحالف في ظل اتجاه شعبي نحو التشطيب، وإلا لكانت بيروت وقعت في المحظور، واختلّ ميزان المناصفة لمصلحة المسلمين الذين يشكّلون الأكثر عدداً من الناحية الديموغرافية في العاصمة، ويعود ذلك إلى الهجرة الواضحة والمتصاعدة في الجانب المسيحي، إضافة إلى عوامل أخرى تستحق دراسات معمّقة في هذا المجال.

هذا الواقع يُقلق المكوّن المسيحي منذ زمن طويل، ولا يقتصر على الانتخابات البلدية التي جرت أول من أمس، بل يشمل كل استحقاق انتخابي دستوري.

ومن المؤكّد أن بعض المسلمين في بيروت يتفهّم الهواجس المسيحية، لكن القلق يتزايد مع التغيّرات الديموغرافية المتسارعة، وبالتالي لم تعد العلاجات المؤقتة والوعود المؤجلة كافية. وتزداد النقمة المسيحية المطالِبة بتعديل قانون الانتخابات البلدية. وتوضح فاعلية بيروتية مسيحية مطّلعة أنه منذ اتفاق الطائف، ولتبديد هذا القلق المزمن، حرص الرئيس الشهيد رفيق الحريري ثم نجله سعد، على اعتماد شعار “وقّفنا العد”، وكانا يحرصان على صياغة المجلس البلدي في بيروت عند “جوهرجي” معروف بالتوافق، لضمان المناصفة، حفاظاً على التوازن الطائفي والمناطقي بين أحياء بيروت الشرقية المسيحية والغربية الاسلامية.

وترى الفاعلية المسيحية أن المحظور كاد أن يقع في هذه الانتخابات، وأن القلق تضاعف مع الكلام عن ميل شعبي إسلامي إلى التشطيب. إلا أن ما كانت تقوم به “الحريرية السياسية” سابقاً، تحقق اليوم في لائحة “بيروت بتجمعنا” عبر توافق بين الأحزاب المسيحية وبعض القوى الاسلامية مثل مخزومي والثنائي الشيعي والأحباش. لكن “القطوع” الذي مرّ بسلام كان من الممكن أن يتحوّل إلى اغتيال للمناصفة، لو لم تلتزم كل الأطراف بالتصويت للائحة كاملة. وبالتالي، لا يجوز الاستمرار في الاعتماد على العرف السياسي المتّبع منذ عقود، بل يجب تحصينه بقانون صادر عن مجلس النواب، يحمي المناصفة من سيف الديموغرافيا الذي يلوّح به بعض القوى من حين إلى آخر، تحت عنوان “الزكزكة السلطوية”!

لكن الخوف، وفق الفاعلية المسيحية، أن ينام الجميع اليوم “نومة أهل الكهف”، وينسوا ضرورة البحث في تعديل القانون أو الاتفاق على قانون جديد يضمن المناصفة، مثل اعتماد نظام اللائحة المقفلة، أو تقسيم بيروت إلى دوائر ضمن بلدية واحدة.

وما فعله الرئيس نبيه بري في جلسة نيابية عشية الانتخابات يبرّر مثل هذه المخاوف، إذ أجّل البحث في مسألة القانون بحجة “ضيق الوقت”، واضعاً الكرة في ملعب المسيحيين والسنّة، على أساس “فخّار يكسّر بعضه”.

في المقابل، تلوح في الأفق نقمة إسلامية مشابهة، تتمثل في المطالبة باستعادة الصلاحيات المنوطة بالمحافظ إلى المجلس البلدي مجتمعاً. فالنواب السنّة يعترضون على “الانتقائية” في التعديل. وبالتالي، بعد انتهاء الانتخابات وخفوت حرارتها، لا شيء يمنع البحث الجدي في تعديل قانون الانتخابات البلدية، ومناقشة مسألة صلاحيات المحافظ بصورة متلازمة، لكي يكون الأمر عادلاً ومرضياً لجميع الأطراف. وتشير الفاعلية المسيحية البيروتية إلى أن لا أحد سيعترض على اقتراح قانون يجمع بين المناصفة واستعادة الصلاحيات.

ما حصل من توافق بين الأحزاب المسيحية وبعض القوى الاسلامية في لائحة “بيروت بتجمعنا” حمى المناصفة والتوازن. ولو لم يحصل ذلك، لتمّت إطاحة المساواة في مجلس بلدية بيروت الذي يتألف من 12 عضواً مسيحياً و12 عضواً مسلماً.

وتعتبر الفاعلية البيروتية المسيحية أن الحل الجذري هو تقسيم بيروت إلى 12 دائرة، تُمثّل كلّ واحدة بعضوين. أما الإصلاح الثاني، الذي يجب أن يسلك طريقه ضمن باقة الحلول، فهو مراجعة الصلاحيات الاستثنائية الممنوحة للمحافظ، والتي تقلق المسلمين. والمسيحيون مستعدون لهذه المراجعة، إذ إن هذه النقطة تُشكّل هاجساً حقيقياً لدى المسلمين الذين يرون أن المحافظ المُعيّن من السلطة التنفيذية قلّل من مكانة رئيس البلدية المُنتخب من الشعب ودوره.

بيروت هي العاصمة، ويُفَضّل أن تبقى رمزاً للتنوّع والتعدّد. لكن إذا استمرّت القوى السياسية في مماطلتها بشأن بحث وضع المناصفة، وتأخّرت في إقرار قانون يُنظّم ذلك بعيداً عن خضوع أي فريق لرحمة الآخر، فسترتفع الأصوات المسيحية المطالبة بالفيدرالية مجدداً، وبشكل أقوى من السابق.

المطلوب الآن هو كل ما يُعزّز صحة التمثيل في بيروت، وخصوصاً بعدما بلغ الحذر المتبادل حدّه الأقصى. ولا شيء يجب أن يؤخّر الاتفاق على قانون يأخذ في الاعتبار المتغيرات الديموغرافية الحاصلة.

شارك المقال