تحتاج كل من الولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) إلى إيجاد طرق لتخفيف حدة المنافسة الأمنية المتصاعدة في آسيا، والتي تشهد حالياً نقطة انعطاف مع تعرّض الأمن الإقليمي لخطر بشكل غير معهود منذ عقود، بحسب مقال في موقع “Responsible state craft” الأميركي. وتتمثل نقطة الانعطاف هذه بعسكرة الرباعية وتشكيل تحالف “أوكوس” (AUKUS)، والإشكالية التي تطرحها التلميحات حول توسيعه وتعزيز وجود القوات الأميركية في أستراليا، بالإضافة إلى موقف الرئيس الأميركي جو بايدن من تايوان.
وتضاف إلى هذه التغيّرات، بحسب المقال، “التدخلات الصينية المتزايدة في المناطق البحرية المتنازع عليها والتنامي السريع للقدرات البحرية الصينية، وظهور اتجاهات أكثر حدة كالدخول الحازم للمملكة المتحدة إلى “أوكوس” وظهور أشرعتها البحرية عبر مضيق تايوان والوجود المسلح القوي لفرنسا والنشاط البحري الصيني والروسي المشترك الأخير حول اليابان، والذي لا يبشر استمراره بنتيجة جيدة. وقد نجحت جنوب شرق آسيا حتى الآن في إدارة هذه الضغوط، في الغالب من خلال التحوّط ببراعة ضد الولايات المتحدة والصين. ويعني التحوط بهذا المعنى، المشاركة النشطة بدلاً من الحياد، وتعميق العلاقات مع البلدين. وبالإمكان بالطبع الميل لبلد دون الآخر، لكن مع تجنّب الدخول في تحالفات عسكرية جديدة، رسمية أو غير رسمية عموماً في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وينطوي التحوط في جنوب شرق آسيا أيضاً على اعتماد سياسة اقتصادية استباقية تضمن منح حصة لجميع القوى. وتشكل الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة بقيادة آسيان المثال الأكثر وضوحاً لهذا النهج.
لكن يبقى السؤال حول إمكان الاستمرار بسياسة التحوط الأمني مع دخول الدينامية بين الولايات المتحدة والصين في مرحلة صعبة. وبينما تقول الولايات المتحدة إنها لا تطلب من دول جنوب شرق آسيا “الاختيار بينها وبين الصين”، يظهر “أوكوس” كأحدث علامة على أن التغير في آسيا سيتطلب تبني سياسة استباقية، وتحديداً لمنع مثل هذه الخيارات من الظهور في المستقبل (…) تُعتبر رابطة دول جنوب شرق آسيا منتدى مثالياً بسجل حافل من التكامل بين منطقة متنوعة إلى حد كبير وتاريخ من الصراع العرقي، كما مثلت في العقود الأخيرة، قصة صعود اقتصادي ممتاز، وتمتعت بعلاقات مع معظم الناس ولم تظهر عداوة لأحد. ويمكن تشبيه نهجها المتمثل بعدم التدخل واتخاذ القرارات من خلال التشاور والإجماع بأسلوب ضبط النفس الآسيوي. ومع ذلك، قد تحتاج آسيان للتكيف مع ما هو مقبل. من الصعب الحفاظ على عدم التدخل في شكله المطلق في ظل احتراق ميانمار (…) كما أن الرابطة تبدو على الصعيد الخارجي، عاجزة عن كبح جماح منافسة القوى العظمى الناشئة التي يمكنها، في سيناريو بائس، تحويل المنطقة إلى مسرح للعقوبات القسرية والأزمات العسكرية الدورية وحتى للحروب بالوكالة (…) وفي الوقت عينه، بالإمكان تسليط الضوء بصورة أكثر وضوحاً على التدخلات الصينية وتكتيكات الضغط في المجال البحري (…) والاستمرار بمعارضة معظم دول آسيان للفيتو الصيني خوفاً من الهيمنة الصينية. كما يجب النظر إلى تشكيل الكتلة الروسية – الصينية حول المسائل الآسيوية، وهي في مرحلة بدائية حالياً، على أنها غير مواتية.
وتنطوي هذه التحركات على المخاطرة بإثارة استياء كل من القوى العظمى في الوقت عينه. ونتيجة لذلك، تعاني منطقة جنوب شرق آسيا من عواقب قصيرة المدى. لكن من الأفضل بذل القوى العظمى محاولة جادة لضبط النفس قبل أن تصبح السيناريوات الأكثر قتامة أمراً واقعاً. ومن المسلم به أن الحصول على إجماع حول هذه المواقف داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا، بكل تنوع وجهات نظرها، يمثل تحدياً كبيراً. لكن ليس هناك ما يمنع مجموعة فرعية من دول جنوب شرق آسيا من التقدم. ربما هذا قد يشجع البقية على المتابعة في الوقت المناسب. قد تتمكن إندونيسيا وماليزيا من قيادة مثل هذا الجهد، كما بإمكانهما إشراك جنوب آسيا في تطوير مثل هذا الإجماع الجديد. أما عن الولايات المتحدة، فقد تصرفت بالفعل بشكل استفزازي وغير حكيم من خلال إطلاق “أوكوس”. وهي تتحمل مخاطر كبيرة بشأن قضية تايوان (…) لكن بإمكانها الكف عن جر الأمور إلى المزيد من التفاقم. على واشنطن الوفاء بكلمتها والابتعاد عن استخدام تكتيكات الضغط لدفع دول آسيان للانحياز إلى جانب أو فصلها عن الصين إلى حد كبير. وتخاطر مثل هذه التكتيكات بتوليد رد فعل إقليمي. ويبدو أن الولايات المتحدة تتجنب هذا المسار في الوقت الحالي، لكن الخيارات القسرية ستكون مغرية بشكل متزايد مع احتدام المنافسة مع الصين.
وبدلاً من ذلك، يمكن لواشنطن التحول نحو حوافز أكبر لتعزيز مكانة الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة، وهذا ما سيعود بإنتاجية أكبر على المدى الطويل. لطالما كانت الولايات المتحدة مستثمراً قوياً في جنوب شرق آسيا، لكن تبقى الصين الشريك التجاري الأكبر لآسيان. وقد أشار المراقبون منذ فترة طويلة إلى أن الولايات المتحدة تفتقر إلى لعبة اقتصادية في جنوب شرق آسيا، وهو عيب رئيسي (…) ومع ذلك، يمكن تقديم العون لها بشكل أفضل من خلال تركيز الولايات المتحدة لجهودها في المنطقة مثلاً على تغير المناخ وترجمة نوايا الرباعية المعلنة للتركيز على هذا المجال إلى أفعال. إذا استخدمت الولايات المتحدة أوراقها بحكمة، بما يتفق مع استراتيجية كبرى لضبط النفس، ستبقى قادرة على الاحتفاظ بقدر كبير من نفوذها وحسن نيتها في جنوب شرق آسيا”.


