في مكالمة هاتفية مع صديق عزيز، تعجّب من موقفي المحايد إزاء الحرب الإسرائيلية – الإيرانية الراهنة، امتثالاً للدعاء المشهور: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.”
تبقى إسرائيل عدوّاً ظاهراً للعرب إلى حين إيجاد حل مقبول للقضية الفلسطينية، وما الدعوة إلى السلام التي أعلنها العرب في قمة بيروت 2002 سوى تأكيد صريح على أن إسرائيل عدو؛ فلا حاجة لإطلاق مبادرة سلام مع صديق أو حليف.
أما إيران، فهي الأخرى عدو ظاهر للعرب، إذ فعلت في أربع دول عربية (العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن)، عبر ميليشياتها وأتباعها، ما فعلته إسرائيل في فلسطين: الاحتلال (وإن كان مقنّعاً في الحالة الإيرانية)، والقتل، والتهجير.
قال حيدر مصلحي، وزير الاستخبارات الإيراني الأسبق: “إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية، فالثورة الإيرانية لا تعترف بالحدود، وهي لكل الشيعة”. وفي تصريح رسمي للجنرال حسين سلامي (حين كان نائباً لقائد الحرس الثوري الإيراني): “إن المسؤولين في إيران لم يكونوا يتوقعون هذا الانتشار السريع لـ(الثورة الإسلامية) خارج الحدود، لتمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان.”
على كل حال، فإن الاعتماد على منطق الأرقام هو الأجدى لتناول هذه المسألة. فلو تناولنا أرقام الضحايا العرب في الصراع العربي – الإسرائيلي، وهي أرقام تقديرية تعتمد — قدر المستطاع — على مصادر رسمية، فإن عداوة إسرائيل لن تكون محل جدل:
عدد القتلى العرب: نحو 295 ألف قتيل.
عدد الجرحى: نحو 720 ألف جريح.
عدد المهجّرين: نحو 6 ملايين مهجّر.
الخسائر الاقتصادية: 900 مليار دولار.
يشمل احتساب الضحايا حرب 1948 (وما سبقها من ضحايا إرهاب عصابات الهاغاناه والأرغون وشتيرن وما شابهها)، انتهاءً بحرب غزة الأخيرة وملحقاتها، مروراً بحرب 1956، وحرب 1967، وحرب 1973، وحروب لبنان، وانتفاضات الفلسطينيين وثوراتهم، وغارات العراق واليمن وسوريا، وغيرها، مع الحرص على حصر الاحتساب بالضرر المباشر.
وفي المقابل، إذا احتسبنا — بالمعايير نفسها — ضحايا الصراع العربي – الإيراني بكل تفرعاته في العراق وسوريا واليمن ولبنان، كالجرائم المباشرة للميليشيات الإيرانية، والانقلاب الحوثي في اليمن، وانشقاق “حماس” عن “فتح” عام 2007، ودعم بشار الأسد في سوريا، وغير ذلك، فإننا سنصل إلى أرقام مروّعة:
عدد القتلى العرب: نحو مليون و300 ألف قتيل.
عدد الجرحى العرب: نحو 5 ملايين و300 ألف جريح.
عدد المهجّرين: نحو 23 مليوناً و300 ألف مهجّر.
الخسائر الاقتصادية: نحو تريليون و450 مليار دولار.
وأعتقد أنه ليس من الحكمة المجادلة في مسؤولية إيران عن ضحايا “حزب الله” والحوثيين، على سبيل المثال؛ فحسب تصريح حيدر مصلحي في 2 أبريل/نيسان 2015: “جماعة الحوثيين في اليمن هي إحدى نتاجات الثورة الإيرانية”. أما بشأن ميليشيا “حزب الله”، التي تعرّف نفسها كوكيل وممثل للثورة الإسلامية في لبنان، فقال أمينها العام الراحل، السيد حسن نصر الله، علناً في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2015: “نحن حزب ولاية الفقيه.”
وتم استبعاد الحرب الإيرانية – العراقية من هذه الحسابات بسبب الخلاف حولها؛ فهناك من يرى أن العراق اعتدى على إيران، وهناك من يرى أن العراق أطلق حرباً وقائية ضد مبدأ “تصدير الثورة” الذي تبنّته إيران. أما ضررها في الجانب العراقي، فصعب الحصر: 600 ألف قتيل عراقي على الأقل، و500 ألف جريح تقريباً، مع خسائر تُقدَّر بنصف تريليون دولار.
في كل الأحوال، فإن مقارنة الأرقام بين ضحايا العرب في الصراع العربي – الإسرائيلي، وضحاياهم في الصراع العربي – الإيراني، تأخذنا إلى نتائج واضحة:
أمام كل عربي قتلته إسرائيل، هناك خمسة عرب قتلتهم إيران.
أمام كل عربي جرحته إسرائيل، هناك سبعة أو ثمانية جرحهم الإيرانيون.
أمام كل عربي هجّرته إسرائيل، هناك أربعة هجّرتهم إيران.
وأمام كل دولار خسره العرب في الصراع العربي – الإسرائيلي، خسروا 1.5 دولار في الصراع العربي – الإيراني.
وكل ذلك ليس إشادة بإسرائيل، بل ذمٌّ وفضحٌ لإيران.
السؤال الراهن: لماذا يتعاطف بعض العرب مع إيران أو يغضّ الطرف عن جرائمها؟
الإجابة خلفها أسباب يصعب حصرها، وأغلبها طبيعي ومفهوم، ومنها:
- كراهية إسرائيل أو معاداتها
الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل ضد العرب ليست محل جدال. واستمرار الصراع العربي – الإسرائيلي، من دون أفق لحل مقبول، يُنهي معاناة الفلسطينيين وشتاتهم، ويُنهي احتلال أراضٍ عربية كالجولان، مع إفلات مجرمي إسرائيل من المحاسبة لأسباب سياسية صرفة، يجعل البعض يتعاطف مع أي طرف يعادي إسرائيل ولو كان شريراً. مع العلم بأنه ضمن ضحايا العرب في الصراع العربي – الإيراني: نحو 4000 قتيل، و7000 جريح، و150 ألف مهجّر من الفلسطينيين.
- المشترك الديني مع إيران
يرى البعض في إسلام الإيرانيين، وإن اختلف المذهب، ظرفاً تخفيفاًا في التعامل مع جرائمهم، أو صكّ براءة مسبق ودائم يغطي ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. وهذه الذريعة تنافي جوهر الإسلام، استناداً إلى الحديث النبوي الشريف: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.”
كما أن عامل المشترك الديني يُفترض أن يُشدّد العقوبة لا أن يُلطّفها: “إنما المؤمنون إخوة”، ولأن الجريمة من القريب أشد:
“وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً… على المرءِ من وقعِ الحسامِ المهنّدِ.”
- التحزّب الأيديولوجي والسياسي
لا يُتوقّع ممن انضوى تحت عباءة ولاية الفقيه دينياً أو سياسياً أو طائفياً أن يوجّه سهام النقد إلى مرجعه. وهناك، في دنيا العرب، من يؤيدون إيران ومشروعها.
- السذاجة
الشعارات التي ترفعها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مثل: الثورة، ونصرة المظلومين، و”الموت لأميركا وإسرائيل”، لها جاذبية في بعض المجتمعات، وهذه الشرائح لا تُجيد أو لا تريد التحقّق من مصداقية هذه الشعارات على أرض الواقع.
- التمويل
بلا شك، تسعى إيران — كأي جهة سياسية جادة وأممية — إلى تكوين شبكة مصالح اقتصادية ومالية عابرة للحدود.
- الموقف السلبي من الولايات المتحدة
كالعادة مع القوى العظمى، هناك من يحبّها وهناك من يكرهها. والعداء الإيراني للولايات المتحدة استدرّ تعاطف البعض مع طهران.
- المعارضة المقنّعة
في بعض الدول العربية، لا يستطيع المواطنون الإفصاح عن مواقفهم السياسية، فيكون التعاطف مع إيران شكلاً من أشكال المعارضة “الآمنة”.
- القتال المريح
للقضية الفلسطينية جاذبيتها، ويجد البعض في تأييد إيران، تحت شعار “الموت لإسرائيل”، وسيلة للمشاركة في “تحرير فلسطين” من دون تكلفة أو تضحية، تحت المكيّف وفوق الفراش الوثير.
- الجغرافيا
من الصعب إقناع اشخاص او جماعات لم تكتوِ بلادها بالمشروع الإيراني بخطورته.
ليست هذه المعطيات دعوة لنصرة إسرائيل في حربها ضد إيران، بل تنبيهٌ للغافلين إلى حقيقة الصراع الإيراني – الإسرائيلي: صراع بين قتلة وقطاع طرق. ومصلحة العرب الوحيدة هي في سلامتهم وفي أن يخرج الطرفان أضعف مما كانا، والخشية أن لا يكون ذلك ممكناً.
لقد عاش العرب فظائع العصر الإيراني (2003 – 2023)، وقبلها فظائع إسرائيل منذ تأسيسها. لكن إسرائيل، قبل 7 أكتوبر 2023، لم تكن قط دولة مهيمنة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، دفع العرب أثماناً باهظة: إرهاباً، واستبداداً، وتخلّفاً. وقد فاقم العصر الإيراني سوء الأوضاع لتوسع الجرائم الإيرانية واستشرائها عبر الحدود. ولا خروج من هذه الدوامة سوى بقيامة العرب أنفسهم. والأمل معقود على المشروع الحضاري التنموي التحديثي الذي تتبناه دول الخليج، للنهوض بالعرب، وتحرير المنطقة من أطماع إيران وإسرائيل وجرائمهما.
إن هذا القاع الذي قبض على أغلب العرب، هو نتيجة أفعالهم. ونهوضهم لا يعتمد على انتصار إسرائيل، ولا على انتصار إيران: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ.”
ملحق
ضحايا الصراع العربي – الإسرائيلي (تقريباً):
عدد القتلى العرب: 295 ألف قتيل.
عدد الجرحى العرب: 720 ألف جريح.
عدد المهجرين العرب: 6 ملايين مهجّر.
الخسائر الاقتصادية: 900 مليار دولار.
ضحايا الصراع العربي – الإيراني (تقريباً):
عدد القتلى العرب: مليون و300 ألف قتيل.
عدد الجرحى العرب: 5 ملايين و300 ألف جريح.
عدد المهجّرين العرب: 23 مليوناً و300 ألف مهجّر.
الخسائر الاقتصادية: تريليون و450 مليار دولار.
مقارنة عامة:
أمام كل قتيل عربي سقط على يد إسرائيل، هناك 5 قتلهم الإيرانيون.
أمام كل جريح عربي تسببت به إسرائيل، هناك 7 جرحهم الإيرانيون.
أمام كل مهجّر عربي هجرته إسرائيل، هناك 4 هجّرتهم إيران.
أمام كل دولار خسره العرب في الصراع مع إسرائيل، خسروا 1.5 دولار في الصراع مع إيران.
ملاحظات منهجية:
- تمت الاستعانة بمصادر رسمية، حكومية، حقوقية، وصحفية.
- تم احتساب الضرر المباشر فقط.
- لم تُحتسب أضرار الحرب الإيرانية – العراقية لاختلاف التقدير حولها.
- الأرقام تقديرية، واعتمدنا الحد الأدنى الممكن.
- الرقم المتعلق بالخسائر الاقتصادية في الحرب الإيرانية – العراقية يخص العراق فقط، واستُبعد من الجدول الرئيسي.
- لم تُحتسب الخسائر الناتجة عن الأوضاع الداخلية في إيران أو إسرائيل.
- لم يُحتسب في المقارنة بين الطرفين الخطر الديني الإيراني، أو خطر الميليشيات، أو خطر زعزعة الدول، أو التغلغل داخل مؤسسات الدولة، أو الإرهاب العابر للحدود، أو ضرب الوحدة الوطنية للدول.
- تشمل أرقام الصراع العربي – الإسرائيلي: النكبة (1948)، النكسة (1967)، اجتياح لبنان (1982)، العدوان على غزة (2008، 2012، 2014، 2021، 2023)، مجازر متفرقة، والمقاومة الفلسطينية واللبنانية.
- تشمل أرقام الصراع العربي – الإيراني: الحرب في سوريا، الحرب في اليمن، الاجتياح الإيراني للعراق بعد 2003، أحداث البحرين، عمليات الميليشيات في لبنان، محاولات زعزعة أمن دول الخليج، والاغتيالات والاعتقالات والانفجارات المرتبطة بالحرس الثوري والميليشيات.


