ليست سهلة الحالة التي يعيشها “حزب الله” حالياً، وهو يُشاهد مؤسّسه ومرجعه، النظام الايراني، يتعرّض لحربٍ ضارية من إسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية، بل إن هذا النظام مهدّد بالانهيار في أي لحظة، إذا ما تدخّلت واشنطن في المعركة بصورة مباشرة.
لا شك في أن “الحزب” يشعر بألمٍ عميق، والسبب أنه غير قادر على مساندة النظام الايراني، كما أن رأس النظام لن يطلب منه ذلك، لأنه يدرك قدرات “الحزب” بعد حربٍ ضارية مع إسرائيل ألحقت به خسائر كبيرة مادياً وبشرياً وعسكرياً. كما يعلم أن الدولة اللبنانية ترسم خطاً أحمر له، يمنعه من إقحام لبنان في هذا الصراع الدامي والمدمّر، علماً أن النظام الايراني يتعامل مع كل أذرعه العسكرية “المجروحة” بالطريقة نفسها، وما يمكن استنتاجه بوضوح هو أنها لم تتدخل في هذه الحرب، على الرغم من أن بعضها، كالحوثيين، استخدم التصعيد الكلامي من دون أي أفعال كبيرة.
ومع ذلك، لا تأكيد أن “الحزب” لن يتدخّل إذا ما رأى النظام ينهار ويُستبدل بسلطة أخرى. فـ”الحزب” يتابع مجريات الأحداث بحذر شديد، ويشير أحد العارفين بالوضع الداخلي للحزب إلى وجود نوع من الاطمئنان حالياً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يعتزم تغيير النظام في إيران، كما أن إسرائيل غير متحمّسة لهذه الخطوة. إلا أن أحداً لا يثق بما قد يحدث لاحقاً، وخصوصاً أن المواقف والأحداث تتبدّل يومياً. وكل ما يمكن أن يحدث هو قبول النظام ااييراني بشروط الولايات المتحدة، أي الاستسلام في الملف النووي مع استمرار النظام.
صحيح أن إيران بنت ترسانة “الحزب” الضخمة لردع أي هجوم إسرائيلي مماثل، ولشنّ ضربات انتقامية أولى في حال حصوله، لكن باحثاً عسكرياً واستراتيجياً لبنانياً يشير إلى أنه ليس مؤكداً أن “الحزب” لا يزال يحتفظ بهذه الترسانة، أو أن قدراته لم تتراجع، خصوصاً بعد أن استهدفت إسرائيل مخازنه وبناه التحتية العسكرية خلال حرب الإسناد، ما يظهر حجم الضرر الذي لحق به. ولهذا يلتزم بالهدوء جنوباً، وخصوصاً بعد أن أحكم الجيش اللبناني انتشاره هناك.
والمفارقة أنه، على الرغم من ضخامة الأحداث وخطورة ما يتعرّض له النظام الايراني، اكتفى “الحزب” بإدانات خفيفة للضربات الاسرائيلية، وهو أمر غير معتاد منه، إذ غالباً ما يُطلق تصريحات نارية. فكل ما صدر حتى الآن كان مواقف تضامنية مع إيران، لكنه ميدانياً ملتزم باتفاق وقف إطلاق النار، واضعاً قرار السلم والحرب في يد الدولة اللبنانية، التي طلبت منه منذ بداية الحرب الاقليمية عدم التورّط فيها.
ومن الواضح أن نائب الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم، يلتزم الصمت، ما يفسّره البعض ببراغماتية يفرضها الوضع العسكري الضعيف للحزب، ويراه البعض الآخر مجرد انتظار لتلقّي الأوامر الايرانية.
والحقيقة أن الجميع في لبنان ينتظرون ما سيحدث، وليس “الحزب” فقط: رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، والقوى السياسية من أحزاب وفعاليات. والدليل أن كل شيء مؤجل، بما في ذلك ملف نزع سلاح “الحزب”، والسلاح الفلسطيني، وسواها من القضايا.
أما سرّ التزام “الحزب” بالهدوء وضبط النفس، فيعود أيضاً إلى اعتبارات أخرى، وفقاً للمطلعين على وضعه الداخلي، اذ يُقال إن “الحزب” يدرك أن نحو 70% من اللبنانيين ينظرون إليه بسلبية ويعارضون سلاحه وأداءه. وقد رضخ للحوار مع الرئيس جوزاف عون، على الرغم من لهجته الاعلامية المتوترة بشأن السلاح. والجدير بالذكر أن “الحزب” مُحرج أمام بيئته التي تنتظر إعادة الإعمار، وهو بحاجة إلى الدولة اللبنانية في هذا المجال، وقد نال من عون بعض التنازلات، أبرزها تعيين الوزير السابق علي حميّة، المحسوب على الثنائي الشيعي، مستشاراً له في شؤون إعادة الإعمار.
بمعنى آخر، يحاول “الحزب” التقاط أنفاسه واستعادة قوّته في حال نجا النظام الايراني. أما إذا سقط، فسيضطر إلى اعتماد نهج أكثر براغماتية بشأن سلاحه، والاتفاق مع الحكومة اللبنانية على الثمن السياسي لتسليمه، مع الإبقاء على عقيدة “ولي الفقيه”.
ويرى الباحث العسكري والاستراتيجي أن النظام الايراني مشروع عقائدي، لا نظام سلطوي فقط، ما يعني أن سقوطه لا يعني بالضرورة نهايته، بل قد يستمر عبر أفكاره وعقيدته وأدبياته. فهدفه الأسمى، بحسب هذا الباحث، هو استبدال النظام الليبرالي العالمي، الذي تعتبره طهران ووكلاؤها نظاماً جائراً بطبيعته، بحكم الإمام المهدي، الإمام الشيعي الثاني عشر العائد، على مستوى عالمي. وهذا الهدف، من منظور علماني أو خارجي، يبدو غير منطقي، لكنّه جوهر المشروع الايراني، الذي يضع تدمير إسرائيل وإضعاف الولايات المتحدة في سياقه التحضيري. وبالتالي، فإن “الحزب”، كجزء من الجمهورية الاسلامية، ولو سلّم سلاحه، لن يغيّر عقيدته، بل سينتظر الفرصة لنشرها واستعادة ما خسره، ولو بعد مئات السنين.
وعلى الرغم من النكبات التي ألمّت ببيئته نتيجة الحسابات الخاطئة، لا يزال “الحزب” يحافظ على مستويات الدعم الشيعي السابقة. فعلى أقل تقدير، تمكّن من تأجيل انشقاق شيعي واسع حتى يتمكن من استعادة موقعه وإبقاء الطائفة الشيعية ضمن فلكه، عبر نهجه التقليدي القائم على الترغيب والترهيب. ويُقرّ المصدر المطلّع بأن نسبة صغيرة فقط من قاعدة “الحزب” الشيعية تتكوّن من أيديولوجيين خمينيين متشدّدين، أما الغالبية فتمدّه بالدعم لأسباب براغماتية، أبرزها وعده بتحسين حياتها وتأمين الحماية من التهديدات الخارجية، لا سيما الاسرائيلية. لذلك، فإن صبرهم على مغامرات “الحزب” الأيديولوجية، التي جلبت عليهم الويلات من أجل فلسطين تارة وإيران طوراً، ليس بلا حدود!
يتطلع “الحزب” إلى مرحلة ما بعد الحرب، لذلك يعضّ أصابعه وجعاً على النظام الايراني، إذ يجد نفسه عاجزاً عن تقديم الدعم له، بل مضطر إلى مراعاة بيئته الشيعية واللبنانيين عموماً، لأن أي مغامرة عسكرية قد تُشعل الغضب الشعبي، الكامن كالنار تحت الرماد. وأي تدخل مباشر قد يُفقده الغطاء الاجتماعي الحاسم، وما يتفرّع عنه من نفوذ سياسي، لطالما حماه من محاولات الدولة أو الجيش اللبناني لكبحه أو نزع سلاحه، خوفاً من إشعال حرب أهلية.
لكن ما لا يغيب عن بال بعض المحللين الدوليين هو احتمال أن يلجأ النظام الايراني، في لحظة احتضاره، إلى تفعيل ما تبقى من أذرعه العسكرية، في محاولة يائسة لإجبار إسرائيل على التراجع، أو لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بخصومه “الصهاينة” قبل أن ينهار.


