بين شجب واستراتيجية… الموقف العربي من الحرب على إيران

خالد العزي

في صيف مشحون بالتوترات، ومع بداية أولى الطلقات الموجهة نحو طهران، وجد العالم العربي نفسه من جديد في قلب زوبعة جيوسياسية لا تهدأ. الدول العربية لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع، لكنّها أيضاً لم تكن بعيدة عنه؛ فايران جارة، وخصم، وشريك مضطرب في التاريخ والجغرافيا، ومصدر قلق دائم لمجموعة من العواصم العربية.

ووسط هذا المشهد المضطرب، جاء الموقف العربي مزيجاً من الإدانة الصريحة والحذر المحسوب. لم تتأخر العواصم في إصدار البيانات المنددة، مؤكدة أن ما يحدث هو خرق لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وتكرار لنهج الحلول العسكرية الذي جرّ الويلات على المنطقة لعقود. البيانات الرسمية كانت واضحة: العرب لا يريدون حرباً جديدة، بل يريدون استقراراً غائباً منذ زمن طويل.

لكن وراء هذه الكلمات، كانت هناك حقيقة أخرى: ترددٌ، وتوجّس، وقلقٌ أكبر من إيران نفسها. فالعديد من الدول العربية، خصوصاً في الخليج، لا ترى في إيران مجرد جارة، بل خصم يمد نفوذه في العراق، ويدعم الحوثيين في اليمن، ويحرك أوراقه في لبنان وسوريا. هذه الدول، وإن دانت الحرب، فإنها لم تبكِ على النظام الايراني، بل رأت في هذه اللحظة فرصة لإعادة رسم التوازنات.

تباين الأصوات.. وتعدد الحسابات

لم يكن العالم العربي موحداً في موقفه، كما لم يكن يوماً كذلك. في الخليج، جاء الموقف أكثر تحفظاً، مائلاً إلى الصمت في بعض الأحيان. السعودية والامارات حرصتا على البقاء ضمن الموقف الدولي الذي يدعو إلى ضبط النفس والمحاولة الجدية للوصول الى حلول ديبلوماسية لإنهاء الأزمة المتصاعدة.

أما مصر والأردن والمغرب، فقد اختارت نهج الحياد الديبلوماسي، داعية إلى الحلول السياسية ورافضة لأي مغامرة عسكرية جديدة في المنطقة.

وفي دمشق، تغيرت المعادلة تماماً. فقد سقط النظام السوري في أواخر العام 2024، ومعه انتهى آخر حلفاء إيران التقليديين في العالم العربي. الحكومة السورية الانتقالية، التي تشكّلت بدعم فصائل محلية وإقليمية، أعلنت منذ البداية أنها لا تنتمي الى أي محور، وأنها تسعى الى “استعادة القرار السيادي”، وهي رسالة كانت واضحة لطهران.

الاقتصاد.. الهاجس الخفي

مع تصاعد الأحداث، بدأ شبح الحرب يخيّم على الأسواق. الخليج العربي ومضيق هرمز تحولا إلى كلمات مفتاحية تتردد في نشرات الأخبار وأسواق النفط.

الدول العربية المنتجة للنفط خشيت من انقطاع الإمدادات أو ارتفاع الأسعار بشكل يضرب الاستقرار العالمي. أما الدول المستوردة، فكانت تخشى من التضخم والمزيد من الأزمات الاجتماعية.

كل ذلك جعل القادة العرب يفكرون مرتين قبل أن يتخذوا أي موقف علني قد يُحسب عليهم لاحقاً.

صوت الديبلوماسية في زمن الرصاص

على الرغم من الضجيج، لم تغب الدعوات إلى الحلول السياسية. فقد شددت جامعة الدول العربية، ومعها عدد من الدول المؤثرة، على ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات النووية، وعلى أهمية إشراك القوى الاقليمية – لا تجاهلها في أي حل طويل الأمد.

في الكواليس، كانت هناك اتصالات، ورسائل تمر عبر وسطاء، ومحاولات غير معلنة لاحتواء التصعيد.

لكن الحقيقة كانت واضحة: العرب لا يمتلكون زمام اللعبة بالكامل، وهم اليوم مجبرون على التفاعل مع مسرح أحداث لا يملكون فيه إلا مقعد المتفرج أو المُتأثر.

وهكذا، يقف الموقف العربي، مرة أخرى في منطقة رمادية. لا هو مع الحرب، ولا هو ضدها. لا هو داعم لطهران، ولا هو شامت بسقوطها. إنه موقف يعكس أزمات السياسة العربية: انقسام، حذر، واعتماد مزمن على القوى الخارجية في ضبط إيقاع الأزمات الكبرى.

في النهاية، ستنتهي هذه الحرب، كما انتهت غيرها. لكن ما لن ينتهي هو السؤال المتكرر: أين العرب من كل ذلك؟ هل سيظلون أسرى الحسابات الضيقة والخوف من التغيير؟ أم سيجدون في كل أزمة فرصة جديدة لبناء موقف جماعي يعيد لهم دورهم المفقود في صناعة التاريخ؟

شارك المقال