12 شهراً حاسمة لإنقاذ الاقتصاد واستعادة الثقة المفقودة

سوليكا علاء الدين

في 8 شباط 2025، شهد لبنان محطة سياسية مفصلية تمثّلت في ولادة أول حكومة في عهد الرئيس جوزاف عون، برئاسة القاضي نواف سلام. وقد استقبل اللبنانيون هذه الحكومة بجرعة عالية من التفاؤل، مع آمال بأن تكون حكومة “الإصلاح والإنقاذ”، القادرة على كسر حالة الجمود السياسي وإعادة تحريك عجلة التعافي الاقتصادي. وعلى الرغم من كونها حكومة انتقالية بولاية قصيرة لا تتجاوز عاماً ونصف العام، تنتهي مع حلول الانتخابات النيابية المرتقبة في العام 2026، الا أن حجم التطلعات المعقودة عليها لا يزال كبيراً. إذ ينظر إليها الكثيرون على أنها سبيل فعّال لإعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والمواطن، ووضع البلاد مجدداً على مسار الاستقرار السياسي والاقتصادي، في ظل أزمات متشابكة وحاجة ملحّة إلى إصلاحات عميقة وجذرية.

وفي هذا السياق، قدّم البنك الدولي، في أحدث تقاريره حول الاقتصاد اللبناني، خطة عمل سياسية شاملة تمتد على مدى عام واحد، تهدف إلى دعم أجندة الإصلاح التي وضعتها الحكومة اللبنانية الجديدة. وقد دعا البنك من خلالها إلى تبنّي إجراءات عاجلة وواقعية من شأنها استعادة الثقة وفتح الطريق أمام إصلاح مستدام. وتُعزى أهمية الخطة إلى توقيتها الدقيق، إذ لم يتبقَّ من ولاية الحكومة سوى اثني عشر شهراً، ما يجعل التركيز على تنفيذ أولوياتها أمراً بالغ الأهمية، لا سيما وأنها تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية: تحسين الحوكمة، واستعادة الاستقرار المالي، وتعزيز رأس المال البشري وتوسيع الفرص الاقتصادية.

حوكمة ترفع الثقة

يشدد البنك الدولي على أن استعادة ثقة المواطنين تبدأ من خلال تنفيذ إصلاحات ملموسة في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها قطاع الكهرباء، عبر توفير طاقة موثوقة بأسعار معقولة، مع اعتماد إطار تنظيمي فعال يضمن الشفافية في النفقات وعمليات الدفع. كما يوصي بتحسين البنية التحتية وأنظمة إمدادات المياه لسد الفجوة بين العرض والطلب، وإصلاح الموانئ لتسهيل حركة التجارة، وتعزيز الامتثال عند الحدود، إلى جانب تطوير بنية تحتية رقمية متكاملة تدعم الأنظمة الجمركية واللوجيستية الحديثة.

وفي إطار تعزيز الشفافية، يؤكد البنك ضرورة تسريع الاصلاحات الجارية في قطاع النفايات الصلبة، واعتماد نظام فعّال لإدارة تقييمات الأثر البيئي والاجتماعي، بالاضافة إلى تحسين الاطار القانوني والمؤسسي لقطاع الاتصالات.

على صعيد الاصلاحات المؤسسية، يدعو البنك إلى اعتماد نظام خدمة مدنية قائم على الجدارة لدعم مكافحة الفساد من خلال إصلاحات قضائية ونشر دوري ومنتظم للبيانات المالية. كما يشدد على استكمال مشروع قانون المحاسبة العمومية وتوحيد حوكمة إدارة الاستثمارات العامة، وتفعيل قانون حق الوصول إلى المعلومات عبر النشر الاستباقي للموازنات والتقارير المالية. ويتضمن ذلك إقرار القانون المعدّل لديوان المحاسبة، وإنشاء مكتب موازنة برلماني مستقل، بالاضافة إلى تعزيز الشفافية في المشتريات العامة من خلال إنشاء هيئة مستقلة لتلقي الشكاوى وتحديث آليات الرقابة والرقابة الداخلية.

وفي مجال التحوّل الرقمي، يطالب البنك باعتماد استراتيجية وطنية للحكومة الالكترونية، وإقرار قانون حماية البيانات الشخصية، وتفعيل التوقيع الالكتروني. كما يشدد على ضرورة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني بهدف تعزيز موقف لبنان وحماية البنية التحتية الحيوية من التهديدات الرقمية المتزايدة، لضمان أمن المعلومات والخدمات الحكومية وسلامتها.

الإنقاذ المالي العاجل

على صعيد السياسة النقدية، يدعو البنك الدولي إلى إنشاء إطار جديد وموثوق لسياسة سعر الصرف والسياسة النقدية، يرتكز بصورة واضحة على استهداف التضخم، ليكون بمثابة مرساة اسمية للنشاط الاقتصادي. كما يُشدد على إجراء تقييم شامل للوضع المالي لمصرف لبنان، مع تأكيد أهمية البدء بإصلاحات جوهرية في حوكمة المصرف لتعزيز الإشراف والرقابة على القطاع المالي، وهو ما يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز الثقة بالنظام المالي.

وفي سياق متصل، يطالب البنك بوضع استراتيجية متكاملة لإعادة هيكلة الدين العام تشمل التوصل إلى اتفاقات واضحة بشأن خطط إعادة هيكلة الدينين الخارجي والداخلي، بالاضافة إلى توزيع الخسائر بين الدائنين بصورة عادلة ومنصفة، ما يساهم في تحقيق الاستقرار المالي على المدى الطويل.

كما يحثّ على ضرورة أن تصادق السلطات على موازنات متعاقبة ضمن المهل الدستورية، مع اتخاذ تدابير فعّالة لزيادة الايرادات العامة وضبط النفقات. ومن هذا المنطلق، يوصي باعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتضمن خطة ضبط مالي ضمن موازنات متعددة السنوات، مع تقليص العجز الأولي بصورة مستهدفة، وتطبيق مبادئ الموازنة المبنية على الأداء. كما يقترح إقرار استراتيجية إدارة دين متعددة السنوات تضمن استدامة الدين بعد إتمام إعادة هيكلته، وذلك لتحسين القدرة المالية للدولة على المدى المتوسط والطويل.

وفي ما يتعلق بالاصلاحات الهيكلية، يقترح البنك أن يقرّ البرلمان قانون إصلاح القطاع المصرفي، بما يتماشى مع أفضل المعايير الدولية، لتعزيز الشفافية والكفاءة المالية وحماية النظام المصرفي الوطني.

ونظراً الى ما تمثّله مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من عنصر جوهري في ضمان استقرار النظام المالي، يشدّد البنك على ضرورة تحديث الاطار القانوني الناظم لهذا المجال، بما يتماشى مع توصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، مع تأكيد أهمية المتابعة الدقيقة لتنفيذ خطة العمل المرتبطة، بما يسهم في دعم سمعة لبنان المالية وترسيخ التزامه بالمعايير الدولية.

كذلك، يُوضح البنك الدولي أهمية اعتماد تنظيم شامل لأنظمة الدفع، وصياغة قانون وطني خاص بأنظمة الدفع، إلى جانب إنشاء نظام دفع سريع وفعّال. ويأتي ذلك مع تطوير آليات الرقابة والاشراف على خدمات الدفع لضمان الشفافية والكفاءة وحماية المستفيدين، وبالتالي تحديث النظام المالي وتحفيز النشاط الاقتصادي.

رأس المال البشري والنهوض

في هذا المحور، يقترح البنك الدولي اتخاذ حزمة تدابير تهدف إلى تعزيز قطاعات الصحة والتعليم، إلى جانب رفع القدرة التشغيلية للشباب. وتشمل هذه الاجراءات إعداد مسودة موحدة للمزايا الصحية وتحسين حوكمة وزارة الصحة لتعزيز كفاءة الأداء، بالاضافة إلى تحديث لائحة الخدمات الصحية لترشيد الإنفاق وضمان تخصيص الموارد بصورة أفضل.

كما يؤكد البنك أهمية إنشاء مدارس مؤقتة وترميم المدارس المتضررة جراء النزاع مع إسرائيل، لضمان استمرارية التعليم في بيئة آمنة ومستقرة، وإطلاق برامج تدريب مهني لتمكين الشباب وزيادة فرص توظيفهم في سوق العمل.

وفي نطاق دعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية، تبرز ضرورة تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وتفعيل السياسات التي ترفع فرص العمل، إلى جانب إصدار المراسيم التطبيقية لقانون المنافسة، وإنشاء لجنة إصلاحات لتحسين بيئة الأعمال وتسهيل الاستثمار.

إضافة إلى ذلك، يدعو التقرير إلى دعم الصناعة الوطنية، وتحديث نظم الزراعة الغذائية، وتيسير حركة التجارة، بهدف بناء اقتصاد منتج أكثر شمولية وعدالة يوفر فرصاً متكافئة لجميع المواطنين.

لحظة حاسمة

على الرغم من التوقعات الايجابية لنمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي بنسبة 4.7 في المئة خلال العام 2025، يؤكد البنك الدولي هشاشة التعافي الاقتصادي المتوقع، الذي يرتبط بصورة رئيسية بتقدم الاصلاحات الجذرية في القطاعات المالية والمصرفية، إضافة إلى تحقيق الاستقرار الأمني. وفي هذا الاطار، تبرز أهمية الخطة التي قدمها البنك، كونها من أبرز المبادرات شمولاً، ما يؤهلها لتكون خريطة طريق واقعية للخروج من الأزمة.

ويمثّل تطبيق هذه الخطة فرصة حقيقية لإنقاذ لبنان من أزمته البنيوية العميقة، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطاً بالارادة السياسية ومدى السرعة والجدية في إطلاق مسار طارئ وحازم نحو التعافي. ومع ضيق المهلة الزمنية التي حددها البنك، والتي لا تتجاوز اثني عشر شهراً، بات التحرك العاجل ضرورة حتمية لإعادة بناء ثقة المواطنين، وترسيخ أسس دولة قوية وشفافة تضمن الازدهار والنمو. فالوقت لم يعد في صالح لبنان، والتأجيل بات خياراً مكلفاً لا يمكن تحمّله.

شارك المقال