بعد طول ترقب، تسلّم لبنان ما يُشبه الرد الأميركي على ردّه على “ورقة باراك”، في حلقة جديدة من التفاوض غير المباشر بين بيروت وواشنطن حول مستقبل السلاح في لبنان ومصير المعادلة الاقليمية القائمة منذ عقود. وعلى الرغم من أن الرد الأميركي لم يتّخذ بعد الطابع الرسمي الكامل، ووصفته مصادر حكومية لبنانية بأنه أقرب إلى “تبادل أفكار”، إلا أن روحيته ومضامينه بدت واضحة، وتثبت المرحلة المقبلة أن التعاطي الأميركي مع ملف سلاح “حزب الله”.
الرد الأميركي: “إيجابي” لكن مشروط
بحسب معلومات “لبنان الكبير”، فإن الرد الأميركي “إيجابي فعلاً” من حيث الشكل، لكنه يتضمّن فكرة محورية لطالما كانت مركزية في المقاربة الأميركية للملف اللبناني، وهي وضع جدول زمني لنزع سلاح “حزب الله”.
وعلى الرغم من أن تضمين هذا الطرح لا يحمل في ظاهره أي تهديد مباشر، إلا أن توقيته وسياقه لا يمكن فصلهما عن التحولات العميقة في المنطقة، من تطبيع العلاقات السورية – الاسرائيلية إلى الحضور الخليجي المشروط في بيروت، وصولاً إلى التصريحات التي صدرت عن الموفد الأميركي توم باراك حول “نهاية الكيان اللبناني” وعودة ما سمّاه “بلاد الشام”.
وبينما تؤكد مصادر حكومية أن الرد الرسمي الأميركي قد يصدر لاحقاً مع عودة باراك إلى بيروت في وقت قريب، تشير تسريبات متقاطعة إلى أن الادارة الأميركية أرادت، عبر هذا “التسريب المدروس”، اختبار ردود الفعل قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لأي خطة.
عين التينة تتحرك.. وجنبلاط يطمئن
في هذا السياق، حطّ رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، فور تسلّم الرد غير الرسمي، وتباحث مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في الرد الأميركي إلى جانب ملفات داخلية حساسة.
ووفق مصادر اشتراكية تحدّثت لـ”لبنان الكبير”، فإن الردّ لا يحمل طابعاً تهديدياً كما يحاول البعض تصويره، بل يُعبّر عن “سياق طبيعي في السياسة الأميركية” التي تسعى إلى وضع معايير لاحتواء الأذرع الاقليمية لإيران.
ورأت المصادر نفسها أن الدور الذي يقوم به الرئيس بري، خصوصاً في ما يتعلّق بالجنوب، “سيُسجَّل له في التاريخ”، نظراً الى الجهود الجبارة التي يبذلها لتجنيب لبنان الانفجار، وانتزاع مكاسب حقيقية أبرزها إعادة الاعمار.
أما جنبلاط، فحاول نزع فتيل التصعيد، وتفنيد الكلام المنسوب إلى باراك عن احتمال “نهاية الكيان اللبناني”، بقوله: “لا فكرة لدي من أين صدرت هذه النظرية؟ في النهاية، همنا كما الهمّ الأميركي، الحفاظ على لبنان الكبير الذي أُرسِي عام 1920. وبلاد الشام، تاريخياً، تمتد من لبنان إلى العراق. حرٌّ من يفكر بهذا الأمر، لكننا نتمسّك بالكيانات الحالية”.
بهذا الموقف، بدا جنبلاط كمن يُرسل رسالة مزدوجة: أولاً طمأنة الداخل الى أن لا مشروع أميركياً لتفكيك لبنان، وثانياً تثبيت موقفه الرافض لأي تلميحات تُقلّل من شأن السيادة اللبنانية، حتى لو أتت من حلفاء واشنطن في المنطقة.
الحزب متوجّس.. ولكن يلتزم الصمت
في المقلب الآخر، اختارت أوساط “حزب الله” الصمت إزاء التسريبات حول الرد الأميركي. فلا تعليق رسمياً على مضمون الورقة، ولا على توقيت طرح “الجدول الزمني”، لكن الحزب – بحسب ما نُقل عن أوساطه – وضع المسألة في عهدة الرئيس بري.
على الرغم من هذا التريث، لا يُخفي الحزب توتره العميق من النوايا الأميركية، ويعتبر أن “زلة اللسان” التي صدرت عن باراك حول “بلاد الشام”، ليست بريئة، بل ترى الأوساط المقربة منه أنها تكشف نية دفينة للعب على التوازنات الطائفية والديموغرافية، وهي السياسة نفسها التي استخدمتها واشنطن مراراً لتفكيك دول في الاقليم، أو لإعادة رسم حدود النفوذ بين إيران، الخليج، وإسرائيل.
وفي ضوء ذلك، يشير بعض التقديرات إلى أن الحزب يُعيد تقييم كل السيناريوهات، بدءاً من المواجهة السياسية الداخلية، وصولاً إلى التحسب لمناخات دولية أكثر تشدداً، خصوصاً بعد حديث متزايد عن ربط ملف السلاح بملف الاعمار، والمساعدات، والخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة.
“بلاد الشام”.. زلة لسان أم خريطة طريق؟
يبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه المراقبون: هل كانت عبارة “بلاد الشام” التي قالها باراك مجرد زلة لسان أم أنها تعكس فعلياً توجّهاً أميركياً لتغيير الخرائط؟
في الواقع، فإن توقيت هذه العبارة، في ظل الحديث عن “سوريا جديدة”، وصراع محتدم في السويداء، وتقارب إسرائيلي – سوري معلن في باكو، لا يسمح بتجاهل دلالاتها. وربما يرى البعض أن إعادة طرح هذه الفكرة، حتى على نحو رمزي، هي ورقة ضغط على الطبقة السياسية اللبنانية للقبول بالتسويات الكبرى، قبل أن يتحوّل لبنان نفسه إلى ساحة عبور للمشاريع الاقليمية.
ما بين “رد غير رسمي” و”جدول زمني” و”جهد تاريخي لبري”، يبدو أن ورقة باراك تحولت من مبادرة ديبلوماسية إلى اختبار للهوية اللبنانية، ولسقف السيادة الممكنة.
وإذا كانت القوى المحلية تتعاطى مع الردّ الأميركي بحذر وتباين، فإن الثابت الوحيد هو أن واشنطن دخلت من جديد على خط “حسم الملف اللبناني” بشروط تتجاوز الشكل وتطال جوهر التوازن الداخلي.
فهل ينجح بري في اجتراح مخرج؟
هل يواصل جنبلاط دوره كمُيسّر بين المحاور؟
وهل يبقى “حزب الله” على مقاعد المتفرجين أم يقتحم الطاولة؟
الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كان لبنان أمام فرصة للحل، أم على عتبة صراع جديد… هذه المرة بـ”توقيت زمني أميركي”.


