لطالما استفاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من نظريات المؤامرة لتأجيج قاعدته الانتخابية وتوجيه الضربات الى أعدائه السياسيين، لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن يتحول ملف “جيفري إبستين” – المتهم بالاتجار الجنسي بالقاصرات والمتوفى في “ظروف غامضة ” – إلى قنبلة موقوتة تهدد صلب حركته السياسية، وتضعه في مرمى سهام “أنصاره قبل خصومه”.
ترامب في مرمى الشكوك
مع تجدد الضغوط الشعبية والسياسية للكشف عن ملفات هيئة المحلفين في قضية إبستين، عاد اسم ترامب إلى الواجهة. فقد ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن ترامب، الذي كان لسنوات يرفض الإفراج عن الشهادات، غيّر موقفه فجأة وطلب من المدعية العامة بام بوندي تقديم ما يمكن تقديمه “بشرط موافقة المحكمة”. هذه الخطوة، التي وصفتها الصحيفة بـ”الانقلاب التكتيكي”، تأتي بعد تصاعد الغضب داخل قواعد “ماغا”، إثر تقارير عن رسائل تهنئة “ذات طابع فاضح” من ترامب إلى إبستين.
ازدواجية الخطاب القضائي
المفارقة أن ترامب، الذي أمضى سنوات في مهاجمة القضاة الفيدراليين واتهامهم بـ”الكراهية لأميركا”، عاد ليؤكد في هذه القضية احترامه لدور القضاء وضرورة مرور أي كشف عبر المحاكم. هذا التراجع لم يقنع خصومه، ولم يهدّئ حلفاءه، خصوصاً بعد أن كشفت “وول ستريت جورنال” عن رسم يحمل إيحاءات جنسية منسوب اليه أرسله لإبستين عام 2003. ترامب نفى صلته بالرسالة، وهدّد بمقاضاة الصحيفة، وكتب على منصته: “لم أرسم صورة في حياتي”.
صدمة داخل “ماغا”.. حرق القبعات وتمرد الرموز
لكن النفي لم يكن كافياً، فقد شهدت المنصات اليمينية حرقاً جماعياً لقبعات “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً، في مشهد يرمز إلى أول شرخ حقيقي داخل معسكر ترامب. المعلق اليميني الشهير تشارلي كيرك وصف تصريحات ترامب بـ”المتأخرة والمضللة”، فيما انقلب تاكر كارلسون، أحد أبرز مؤيدي ترامب، على خطابه، مطالباً بلجنة تحقيق خاصة في القضية.
الغموض حول طبيعة العلاقة
على الرغم من نفي ترامب لأي علاقة مشبوهة بإبستين، فإن الشكوك لا تزال قائمة. فقد ظهر اسمه 7 مرات في سجلات رحلات إبستين، وتمت الإشارة إليه في الدفتر الأسود الشهير، إلى جانب أرقام موظفيه وعائلته. كما أن تعليقه الشهير عام 2002 عن إبستين “يحب النساء الجميلات… وكثيرات منهن في سن صغيرة” زاد من الشكوك، مع تأكيده لاحقاً أنه لم يتحدث مع إبستين منذ العام 2004.
ماكسويل.. الحلقة المفقودة؟
إدانة غيلين ماكسويل، شريكة إبستين، سلطت الضوء من جديد على الملف، خصوصاً مع سعي وزارة العدل الأميركية الى الكشف عن بعض محاضر الشهادات، بما لا يضر بالضحايا أو التحقيقات. بوندي نفسها وصفت الملف بـ”عار وطني”، لكنها سحبت لاحقاً وعودها بنشر “قائمة الزبائن”، ما فجّر غضب القاعدة الترامبية عليها، ودفع البعض الى المطالبة باستقالتها.
هل يخشى ترامب الحقيقة؟
خبراء ومعلقون سياسيون يرون أن ترامب يخشى من أي تسريب قد يربطه مباشرة بجرائم إبستين، ليس بالضرورة كمشارك، بل كـ”شاهد صامت” في أفضل الأحوال. وما يعزز ذلك هو امتناعه عن تقديم دعم واضح لجهود الكشف الكامل، وتكراره عبارة “قد تحتوي الملفات على معلومات زائفة تضر الأبرياء”.
المؤامرة التي تأكله من الداخل
اللافت في هذا الملف هو أن جزءاً كبيراً من أنصار ترامب – وخصوصاً أتباع حركة QAnon – باتوا مقتنعين بأن هناك مؤامرة حقيقية لدفن ملفات إبستين. هؤلاء لا يثقون بالقضاء ولا بالإعلام، بل بترامب وحده. ومع تردده، بدأوا يتحدثون صراحة عن احتمال “خيانته”، بل إن بعضهم يلمح إلى أن ترامب نفسه “أصبح جزءاً من المؤامرة”.
أبعاد أعمق.. دينية وشعبوية
التمسك بقضية إبستين يتجاوز السياسة عند بعض أنصار ترامب؛ إنها أقرب إلى إيمان ديني. فالحرب، بنظرهم، ليست بين الجمهوريين والديموقراطيين، بل بين “الخير والشر”، وترامب هو المنقذ. وإذا ما تراجع أو “خانهم”، تنهار كل منظومتهم الفكرية. ومن هنا خطورة الملف على مستقبل “ترامبية ما بعد 2024”.
ترامب بين المطرقة والملف الأسود
واقع الحال أن ملف ابستين لم يعد قابلاً للطمس، وتحول إلى مرآة تكشف هشاشة تحالفات ترامب، وتناقضات خطابه، وعجزه المتزايد عن السيطرة على مناصريه، وتبدو الملفات المغلقة – سواء أكانت حقيقية أم متخيلة – أكبر تهديد لأسطورته من الديموقراطيين أنفسهم.


