في سابقة ديبلوماسية لافتة، تستضيف العاصمة الأذربيجانية باكو اليوم الخميس 24 تموز الجاري، لقاءً نادراً بين ممثلين عن إسرائيل والنظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع، برعاية مباشرة من الموفد الأميركي الخاص إلى سوريا، السفير توم باراك. هذا الاجتماع، الذي يُعقد في ظروف من السرية والهدوء، يشكّل أول محاولة أميركية جدية لجمع خصمين تاريخيين على طاولة حوار، في وقت تعصف فيه التوترات بجنوب سوريا، وتكاد المنطقة تنزلق نحو مواجهة مفتوحة.
وحتى اللحظات الأخيرة، تضاربت التسريبات حول مكان الاجتماع، إذ تناقلت مصادر ديبلوماسية وإعلامية أن اللقاء كان من المفترض أن يُعقد في باريس، قبل أن تؤكد مصادر أخرى أن العاصمة الأذربيجانية باكو هي من ستحتضن الحدث. اختيار أذربيجان، بحسب مراقبين، ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يحمل بُعداً استراتيجياً، نظراً الى موقعها المحايد وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف أطراف النزاع.
اللقاء المرتقب جاء نتيجة أسابيع من التحضير خلف الكواليس، في ظل تصاعد الاشتباكات في محافظة السويداء بين فصائل درزية وعشائرية، وتكثّف الضربات الاسرائيلية التي طالت قوافل عسكرية ومواقع قرب دمشق. ووفقاً لما تردد في بعض الأوساط الديبلوماسية، فإن لقاءً أولياً غير معلن كان قد عُقد قبل أسابيع في أذربيجان بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، من دون تأكيد ما إذا كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد شارك شخصياً، أو حول مضمون تلك المحادثات.
في هذا السياق، تسعى واشنطن، التي رفعت مؤخراً معظم العقوبات عن النظام السوري الجديد، إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح قنوات أمنية بين تل أبيب ودمشق الجديدة، بما يمنع انفجاراً إقليمياً قد يطيح أي إمكان لإعادة الاستقرار في سوريا.
وبحسب ما كشفت عنه وسائل إعلام أميركية مثل Axios وReuters، يركّز اللقاء على ثلاثة محاور رئيسية: تثبيت الهدنة في الجنوب، إنشاء غرفة تنسيق مباشر بين الجانبين لتفادي الاحتكاك الميداني، والبحث في ترتيبات تضمن تقليص نفوذ الميليشيات غير النظامية، ولا سيما تلك المدعومة من إيران، مقابل تعهد إسرائيلي بوقف الغارات ضمن شروط محددة.
لكنّ الطريق إلى اتفاق مستدام لا يزال مليئاً بالعقبات. إسرائيل تشترط انسحاباً كاملاً لأي قوة مدعومة من طهران من جنوب سوريا، وترى في أي تهاون تهديداً مباشراً لأمنها. في المقابل، يتعامل النظام السوري الجديد بحذر شديد، إدراكاً لحساسية الرأي العام المحلي، ورفضاً لأي تفاهم يُفهم على أنه شكل من أشكال التطبيع أو التفريط بالسيادة. أما إيران، الغائب الحاضر في هذا المشهد، فتراقب بقلق محاولات واشنطن إعادة صياغة التوازن السوري – الاسرائيلي من دون مشاركتها، وقد تعمل على تقويض المسار من خلال وكلائها على الأرض.
أهمية هذا اللقاء تتجاوز طبيعته الفنية. فمجرد جلوس ممثلين سوريين وإسرائيليين على طاولة واحدة، برعاية أميركية رسمية، يشكّل سابقة منذ انهيار مفاوضات شبردزتاون عام 2000. كما أن انعقاده في باكو، العاصمة التي تقع عند تقاطع مصالح معقّدة بين روسيا وتركيا وإيران، يضفي على الاجتماع بعداً إقليمياً يتجاوز تفاصيل الجنوب السوري.
نجاح هذا اللقاء، ولو جزئياً، سيفتح باباً لتثبيت آليات تنسيق أمني مستدامة، وربما التمهيد لاحقاً لمسار تفاوضي سياسي أوسع. أما فشله، فسيعيد الأمور إلى مربع التصعيد، ويمنح طهران ذريعة لتعزيز نفوذها مجدداً في خاصرة إسرائيل. في كل الأحوال، ما يجري في أذربيجان ليس مجرد اجتماع تقني، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة واشنطن على إدارة توازن معقّد بين عدوين تاريخيين… في واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط حساسية وتعقيداً.


