تجدّدت في الأيام الأخيرة ملامح توتر غير مباشر بين بريطانيا وإسرائيل على خلفية عرض بريطاني جديد للبنان يتعلق بإنشاء أبراج مراقبة متطورة على الحدود الجنوبية، شبيهة بتلك التي بنتها المملكة المتحدة منذ العام 2014 على الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا. وبينما يشكل العرض البريطاني امتداداً لدعم طالما قُدِّم للجيش اللبناني، برز رفض إسرائيلي واضح تحركه مخاوف استخبارية من إمكان “استغلال حزب الله لهذه البنية التحتية” ضدها.
عرض قديم يتجدد بعد الحرب
العرض البريطاني بإنشاء أبراج مراقبة على الحدود الجنوبية ليس جديداً، بل طُرح سابقاً في سياق المفاوضات غير المباشرة لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل خلال الحرب التي اندلعت بين أيلول وتشرين الثاني 2024. وقد جدّدت لندن هذا الطرح رسمياً في بداية تموز الجاري، خلال زيارة وزير خارجيتها ديفيد لامي إلى بيروت، حيث التقى رئيس الجمهورية جوزاف عون وسلمه مقترحاً يقضي بتوسيع نموذج أبراج المراقبة البريطانية ليشمل الحدود مع إسرائيل، على أن تُسلَّم هذه الأبراج إلى الجيش اللبناني لتعزيز مهمته في مراقبة الحدود وتنفيذ القرار 1701.
الرئيس عون رحب بالعرض، معتبراً أن أي دعم يعزز الاستقرار الحدودي ويدعم الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” في مهماتهما المشتركة هو موضع تقدير، لكنه شدد في المقابل على أن الاستقرار يبدأ بانسحاب الجيش الاسرائيلي من النقاط الخمس المحتلة داخل الأراضي اللبنانية، ووقف الخروق المتكررة.
رفض إسرائيلي
لكن على الضفة المقابلة، لا يبدو أن تل أبيب تتقبل العرض البريطاني بروح التهدئة، بل تعتبره تهديداً محتملاً لأمنها الحدودي. وفي تقرير مفصل نشره معهد “ألما” الاسرائيلي للدراسات الأمنية، عبّر عن خشية جدية من أن تتحول هذه الأبراج إلى أدوات بيد “حزب الله”، تماماً كما حدث – بحسب الرواية الاسرائيلية – على الحدود مع سوريا، حيث جرى الحديث عن “تسرب” تقنيات المراقبة من الجيش اللبناني إلى الحزب.
وركز التقرير على أن الحزب الله “سبق أن استغل” أبراج المراقبة التابعة لـ”اليونيفيل” والجيش اللبناني، وخصوصاً في الفترات التي كانت تلك الأبراج خالية من الحراسة الدائمة، لمراقبة تحركات الجيش الاسرائيلي. كما اتهم الحزب باستخدام أبراج “أخضر بلا حدود” المدنية كغطاء لجمع المعلومات الاستخباراتية، في إطار ما وصفه بـ”التحضيرات لغزو الجليل”.
وبحسب التقرير، فإن أي بنية تحتية جديدة، وإن كانت تحت سيطرة الجيش اللبناني، ستُستغل عاجلاً أم آجلاً من الحزب، وبالتالي فإن الأبراج المقترحة “لا يمكن أن تشكل بديلاً عن الوجود الميداني الاسرائيلي الفعلي” في النقاط الحدودية الحساسة.
“حزب الله” خارج النقاش حتى الآن
من الجانب اللبناني، لم يصدر عن “حزب الله” حتى الآن موقف واضح من العرض البريطاني المتجدد، إلا أن الحزب سبق أن رفض المقترح نفسه في مرحلة ما قبل الحرب، معتبراً أن الأبراج التي أنشئت على الحدود الشرقية تخدم أغراضاً تجسسية. كما كانت دمشق، في عهد النظام السابق، قدمت شكوى رسمية ضد تلك الأبراج، معتبرة إياها منصة استخباراتية موجّهة نحو الداخل السوري.
أما الدولة اللبنانية، فتتعامل مع العرض بحذر، إذ لم تبدأ بعد أي مناقشات رسمية داخلية حوله، لا من الناحية التقنية ولا السياسية، ولا حتى مع “حزب الله” الذي لم يُفاتح بالموضوع بحسب ما أفادت مصادر وزارية موقع “لبنان الكبير”.
وأكدت المصادر نفسها أن الأولوية الآن هي لتثبيت وقف إطلاق النار، وضمان عدم تكرار الخروق الاسرائيلية، قبل البحث في أي تفاصيل تتعلق بالبنى التحتية العسكرية.
الأبراج المقترحة: بنية تحتية متطورة
العرض البريطاني ينص على إنشاء أبراج مزودة بأنظمة مراقبة متطورة، تشمل كاميرات نهارية وليلية، أجهزة اتصال حديثة، وربما أنظمة مسح حراري. لكن هذا الطرح يثير تساؤلات حساسة داخل بعض الأوساط السياسية، لاسيما لناحية الجهة التي ستُوجَّه نحوها الكاميرات: هل ستُركّز فقط على الداخل اللبناني لمراقبة أي نشاط مسلح مخالف للقرار 1701؟ أم ستتوجه أيضاً نحو الجانب الاسرائيلي، ما قد يشكل مصدر رفض جديد من تل أبيب؟ هذه التفاصيل لم تُحسم بعد، وستُحال لاحقاً على قيادة الجيش اللبناني في حال وافقت الحكومة على المبدأ العام للمشروع.
دعم بريطاني طويل الأمد: من البقاع إلى الجنوب
منذ العام 2012، موّلت المملكة المتحدة برامج دعم واسعة للجيش اللبناني، شملت بناء البنية التحتية، التدريب، وتوفير المعدات والمركبات. وبلغ حجم هذا الدعم أكثر من 115 مليون جنيه إسترليني. وضمن هذا الاطار، أنشأت بريطانيا حتى اليوم 39 برجاً على الحدود الشرقية والشمالية، تمتد من العريضة شمالاً إلى راشيا جنوباً، تغطي مدى بصرياً يصل إلى 10 كيلومترات بزاوية 360 درجة.
وتؤكد لندن أن دعمها للجيش اللبناني يندرج ضمن “شراكة ثنائية راسخة”، وأن الجيش هو “القوة العسكرية الشرعية الوحيدة في لبنان”، على حدّ تعبير متحدث باسم السفارة البريطانية في بيروت.
هل يعزّز المشروع الاستقرار أم يشعل الجبهة مجدداً؟
بين مقترح غربي يهدف الى عزيز قدرة الجيش اللبناني على حفظ الأمن، وتحذير إسرائيلي ينطلق من قلق استخباراتي دائم، تبقى مسألة أبراج المراقبة البريطانية على الحدود الجنوبية في دائرة التجاذب الاقليمي. فلبنان الرسمي لا يرفض، لكنه يشترط تثبيت الهدنة وانسحاب إسرائيل من أراضيه، بينما تنظر تل أبيب بعين الشك إلى أي تحرك يعزز تموضع الجيش اللبناني في الجنوب.
وفي ظل صمت “حزب الله” وترقّب الحكومة، تبقى الأبراج المقترحة مشروعاً مؤجلاً على طاولة التفاوض، رهن موازين القوى الاقليمية… والهدنة الهشة التي قد لا تصمد طويلاً.


