ظهر مؤخراً اسم القائد عز الدين الحداد غير المعروف نهائياً للفلسطينيين وهو الآن صاحب القرار الوحيد في قطاع غزة المقطوع عن كل سبل الحياة ما عدا السبيل إلى الموت المؤكد.
السيد عز الدين الحداد يملك مصير مليوني فلسطيني معرضين للقتل إما من الاسرائيلي أو من الجوع!
الصفقة التي لن تنهي الحرب ستُنهي، في حال إتمامها، معاناة حوالي 1500 أسير، أو الأرجح أقل من ذلك بكثير، وبموجبها، سيتراجع الجيش الاسرائيلي من بعض المحاور الذي سيعود إليه حتماً بعد انتهاء الصفقة. ذلك لأن إسرائيل قادرة على العودة من دون أن يتمكن أحد من منعها، وإلا لما احتلت كل هذه المساحات من القطاع في المقام الأول.
أثناء حصار بيروت من العدو الاسرائيلي، بعد اجتياح واسع النطاق للبنان عام 1982، والذي شمل شمال الليطاني وجنوبه، مروراً بصيدا والشوف، وصولاً إلى العاصمة، استدعى القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، ياسر عرفات، قائد قواته في بيروت، سعد صايل، وسأله: “إلى متى سنصمد؟”.
أجاب أبو الوليد سعد صايل: “حتى تصلنا جحافل القوات العربية التي تتحرك سيراً على الأقدام من المغرب وتونس إلى بيروت”. ثم أضاف بأسف: “لكنها لم ولن تتحرك يا سيدي”. عندها، قال أبو عمار كلمته الحاسمة: “إذن هو الخروج”.
كان هذا الخروج هو الشرط المطروح لوقف الحرب، وبقية الرواية معروفة للجميع، بحيث غادر القائد الفلسطيني عبر البحر إلى تونس قبل أن يتحرك أي أحد في العالم العربي أو الدولي لوقف الحرب!
أما الآن، فقد حان الوقت لإعادة النظر في معادلة “حماس” القائمة على تطاول السلاح على السياسة، والاستخفاف بموازين القوى، وعدم الاعتراف بها. وهذا يضع المفاوضين طاهر النونو وخليل الحية وباسم نعيم في موقف بالغ الصعوبة، فهم يدركون الواقع ويحملون على أكتافهم جبالاً، إذ يقومون بأصعب مهمة سياسية من دون امتلاك الأدوات اللازمة على الأرض.
في الثورات، السياسة هي ابنة السلاح وترجمته في الميدان. والسؤال هنا مُوجَّه لمن أطل برأسه مؤخراً، “الحداد”، ويطلب من المفاوضين صفقة مشرّفة. هو وقيادة “حماس” في الداخل يدركان جيداً أن وفد التفاوض لا يملك القدرة على فرض شروطه بقبضة قوية على الطاولة، خصوصاً في ظل تعرض سكان غزة لكل أشكال الموت، من القصف بالطائرات والصواريخ، وصولاً إلى الجوع.
لقد حان الأوان لـ “حماس” لتتخلى عن معادلتها التي تجاهلتها قرابة السنتين، وتتعلم السياسة لتدرك أن ما يحكم الميدان هو “موازين القوى” التي سخرت منها دائماً. أي مراقب يدرك أن “حماس” لم تستطع الوصول إلى صناعة القرار، ولم تظهر تجربتها متى يجب أن تتصلب ومتى يجب أن تبدي المرونة. لم نفهم أبداً ما هو معنى السلاح بالنسبة اليهم، وما هي معاييره ومداه، وما هو موقعه الحقيقي في السياسة.
سحق الجوع مدينة وكرامة البشر في غزة… إنه جوع يطحن الرجال والنساء والأطفال أمام أعين العالم، بكل ما يملك من قيم، ومعايير، ومؤسسات، وثروات، من دون أن يتمكن من إنقاذ أهل غزة أو على الأقل إدخال الغذاء والدواء لهم.
أخيراً هل تستمر “حماس” في المحاولات أكثر؟ هل هناك في الأفق معطيات لكسر الموازين؟ هذا لم يحصل وقت وجود “المحور” فماذا الآن؟ ولماذا تتنازل إسرائيل التي توافرت لها فرصة تاريخية ليس للسيطرة على غزة وحسب، بل وأيضاً على الضفة وغداً الشرق الأوسط الجديد؟
بعد كل هذه التساؤلات، يبقى هناك سؤالان:
السؤال الأول: لماذا لم تعلن “حماس” تخليها عن حكم غزة بعد كل ما تعرض له القطاع، وإعلانها منطقة منكوبة ومحتلة؟
السؤال الثاني: لماذا لم يعلن رئيس السلطة محمود عباس، وهو الذي يملك اعتراف 149 دولة، قيام دولته الفلسطينية تحت الاحتلال؟
في قناعتي، سيأتي الجواب من قيادة جديدة لهذا الشعب العظيم، قيادة تستمد علمها من التجربة المريرة، وتأتي لتعمل لا لتتعلم!


