وصل رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الجزائر يوم الثلاثاء 29 تموز الجاري، في أول زيارة لرئيس لبناني منذ أكثر من عقدين، بدعوة رسمية من نظيره الجزائري عبد المجيد تبون. الزيارة التي حظيت بإهتمام رسمي رفيع، تخللها إطلاق 21 طلقة مدفعية، لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل حملت في طيّاتها ملامح شراكة استراتيجية جديدة بين البلدين، عنوانها: الدعم العربي الفعلي بلا شروط، وبأدوات واقعية.
وفي لفتة تقديرية لافتة، قلّد الرئيس تبون نظيره اللبناني وسام “أثير” الوطني من مصفّ الاستحقاق الجزائري، وهو أرفع وسام تمنحه الدولة الجزائرية لرؤساء الدول، تقديراً لدوره في تعزيز العلاقات الثنائية ومواقفه السيادية، ما أضفى على الزيارة طابعاً رمزياً عالي الدلالة.
في المؤتمر الصحافي المشترك، شدد الرئيس تبون على أن “استقرار لبنان من استقرار المنطقة”، وأكد وقوف الجزائر إلى جانب بيروت في مسعاها للنهوض الاقتصادي والسياسي. من جهته، ثمّن الرئيس عون الموقف الجزائري، معتبراً أن هذه الزيارة تشكّل بداية مسار عربي متجدد يعيد لبنان إلى عمقه الطبيعي.
الاتفاقات التي وُقّعت تناولت ملفات حيوية، أبرزها إعادة تفعيل التعاون الطاقوي مع شركة “سوناطراك”، من خلال تزويد لبنان بالفيول بأسعار تفضيلية ضمن عقد طويل الأمد، وتجاوز أزمة “الفيول المغشوش” التي علّقت العلاقة سابقاً. كما أعلنت الجزائر عن استعدادها لتقديم دعم مالي يتراوح بين 50 و200 مليون دولار لإعادة إعمار البنى التحتية، بإشراف لجنة مشتركة وبالتنسيق مع الأمم المتحدة.
وعلى الصعيد الثقافي، تم التوافق على دعم “تلفزيون لبنان” بمعدات تقنية حديثة، وتوقيع اتفاقيات إعلامية مع التلفزيون الجزائري، وإنشاء مركز ثقافي جزائري–لبناني في بيروت، إلى جانب توسيع برامج المنح الجامعية.
اقتصادياً، جرى البحث في إطلاق صندوق استثماري مشترك يدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المناطق اللبنانية المهمّشة، خصوصاً في الجنوب والبقاع، مع إشراك رجال أعمال من الجاليتين اللبنانية والجزائرية.
وفي اليوم الثاني، زار الرئيس عون الجامع الأعظم وكاتدرائية القلب الأقدس في العاصمة الجزائرية، في خطوة رمزية تؤكد احترام التعددية والانفتاح، وتعكس تشابه التجربتين الوطنيتين في البلدين.
زيارة الرئيس عون إلى الجزائر لم تكن خطوة تقليدية، بل محطة مفصلية تؤسس لتموضع عربي مختلف. الجزائر، التي لطالما تبنّت القضايا العربية الكبرى، تعود اليوم إلى بيروت من بوابة السيادة والإعمار، ولبنان يمدّ يده نحو شريك عربي صادق في زمن تغيّرت فيه الأولويات وتبدّلت التحالفات.


