من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ألقى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خطابًا استثنائيًا شكّل علامة فارقة في حضور لبنان الدولي. خطاب جمع بين الوضوح السيادي والجرأة الإصلاحية والبعد الإنساني الرسالي، مقدّمًا معادلة جديدة خلاصتها أنّ «لا تنمية بلا سلام، ولا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا حقوق الإنسان».
عون أكد أنّ لبنان حسم خياره بأن يكون أرض حياة وفرح لا بؤرة موت وحروب، مطالبًا بوقف الاعتداءات الإسرائيلية فورًا، وانسحاب الاحتلال من كامل الأراضي اللبنانية، وإطلاق الأسرى، وتطبيق القرار 1701 بكامله. واعتبر أنّ استمرار تفويض قوات اليونيفيل بالشراكة مع الجيش اللبناني يشكل مرحلة انتقالية ضرورية لفرض الأمن والاستقرار، في سياق ما أُقرّ بإعلان 27 تشرين الثاني 2024 برعاية أميركية وفرنسية وأممية.
وفي بعد أعمق، شدّد الرئيس على أنّ لبنان ليس مجرد دولة بل «رسالة» لا بديل عنها، تقوم على التعددية والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، محذّرًا من أنّ سقوط هذا النموذج يعني سقوط الاعتدال في المنطقة والعالم وفتح الباب أمام موجات جديدة من التطرف والعنف. وقال بوضوح: «إذا سقط المسيحي في لبنان سقطت العدالة، وإذا سقط المسلم انتكس الاعتدال، وإذا سقط لبنان سقط الاعتدال العالمي».
على الصعيد الداخلي، عرض عون برنامجًا إصلاحيًا متكاملًا يقوم على إعادة هيكلة القطاع المصرفي، تدقيق مالي شفاف، تحديث الإدارة، تعزيز استقلالية القضاء، مكافحة الفساد والجريمة المنظمة، والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية. وأكد أنّ الهدف إعادة ثقة اللبنانيين والعالم بدولتهم، وربط أي دعم خارجي بالحوكمة الرشيدة. كما شدّد على الاستثمار في التعليم النوعي واقتصادات المعرفة، معتبرًا أنّ لبنان مؤهل ليكون ممرًا إلزاميًا في المشاريع التجارية الدولية.
إقليميًا، دعا إلى وقف المأساة في غزة فورًا وإحياء مسار سياسي جاد يقود إلى حلّ الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، مؤكدًا أنّ القضية الفلسطينية هي أساس أي سلام عادل. وفي ملف النزوح السوري، أشار إلى أنّ لبنان يتحمّل أكبر عبء نزوح في التاريخ نسبةً لعدد السكان، معتبرًا أنّ الحل يكمن في مفاوضات مباشرة مع سوريا برعاية سعودية وبشراكة مع الأمم المتحدة، بما يضمن عودة كريمة وآمنة للنازحين ويعيد العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي.
كما شدّد على أنّ لا استقرار من دون إعادة إعمار القرى والبنى التحتية التي دمّرها العدوان الإسرائيلي، داعيًا إلى مؤتمرات دولية مخصصة لذلك، وإلى توفير القدرات الكاملة للجيش اللبناني ليبقى الضامن الحصري للسيادة. وأعلن في البعد الرسالي إعادة إحياء مشروع «أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار» الذي تبنته الأمم المتحدة عام 2019، معتبرًا أنّ لبنان عاد إلى مكانه الطبيعي تحت «شمس الأمم» كمنبر لقيم الإنسانية والسلام.
ما ميّز هذا الخطاب عن خطابات الرؤساء السابقين أنّه تجاوز لغة الشكوى والتوصيف إلى طرح حلول عملية واضحة: آليات لتنفيذ القرار 1701، برنامج إصلاحي اقتصادي وقضائي، ورؤية لإعادة الإعمار والنزوح. كما وضع حصرية السلاح بيد الدولة في صلب الموقف الرئاسي بوضوح غير مسبوق، وربط الاستقرار الأمني بالإصلاح الاقتصادي والدبلوماسية الدولية، مانحًا للبنان صورة دولة مسؤولة ورسالية لا عبء على المجتمع الدولي.
وفي ختام كلمته، أطلق جوزاف عون نداءً مؤثرًا إلى العالم: «حسمنا قرارنا بأن يكون لبنان أرض حياة وفرح… ندائي لكم: كونوا معنا، لا تتركوا لبنان» . وهكذا أعاد وضع لبنان على خريطة الاهتمام الدولي، لا كملف أزمات، بل كفرصة ورسالة سلام وعدالة لا بديل عنها.


