تعطيل مقصود لمرفأ طرابلس؟

إسراء ديب

تتوالى تداعيات عمليات التهريب التي ضُبطت في مرفأ طرابلس أخيرًا، وانعكاساتها المباشرة على عمل المرفأ تحديدًا. وتُشير المعطيات إلى أنّ هذا المرفق، الذي يُمثّل شريان طرابلس الاقتصاديّ ومنصّة “واعدة” قبل إعادة إعمار سوريا، يُعاني منذ 15 آب من تشديد إجراءات تفتيش الحاويات للتحقّق من صحّة الشحنات وضبط المخالف منها، ممّا يُؤثّر سلبًا في حركته ونشاطه من جهة، ويُؤدّي إلى تأخير دخول البضائع إلى المدينة من جهةٍ ثانية.

ردود الفعل الطرابلسية حول ما وُصف بـ “شلل” المرفأ، تلفت إلى أنّ وزير المال، ياسين جابر، هو المسؤول عن منع خروج الحاويات من مرفأ طرابلس “بهدف نقلها إلى مرفأ بيروت بقراره وبطلبه من إدارة الجمارك التشدّد في عمليات التفتيش”. ووفقًا للمصادر في المدينة، فإنّ تنشيط مرفأ بيروت على حساب تجميد مرفأ عاصمة الشمال يُثير تساؤلات عدّة لدى المعنيين ويُشعل الجدل بيْن التجار الذين ينتظرون خروج بضائعهم “المعلّقة” في المرفأ.

وقبل ساعات، نظّم اتحاد نقابات العمّال والمستخدمين في لبنان الشمالي اعتصامًا أمام مالية طرابلس، للمطالبة “بفكّ أسر مرفأ طرابلس نهائيًا من كلّ القيود، ووضع حدّ لهجرة السفن التجارية إلى مرفأ بيروت”. وقد أوضح تجارٌ من طرابلس الأضرار التي لحقت بهم، فيما أكّد رئيس الاتحاد، النّقيب شادي السيّد، بقاء أكثر من ألف حاوية في مرفأ المدينة، ما يعني “احتجاز” الأرزاق دون تحديد مصيرها، مناشدًا رئيس الجمهورية جوزاف عون بالتحرّك، قائلًا “خلّي عينك على المرفأ، فهناك ظلم كبير يقع على التجار، ومواسم انقضت وبضائع تابعة لتلك المواسم لم تخرج بعد، ولم يتمكّن التجّار من تخليصها”.

النّاشطون في طرابلس منذ شهر أيلول يُتابعون هذا الملف، ويُقارنون بيْن حركة مرفأيّ بيروت وطرابلس، ويُؤكّدون أنّ مرفأ مدينتهم يُعاني التأخير في سير عمله المعتاد، على عكس مرفأ بيروت الذي تتميّز إجراءات التفتيش فيه بالسرعة والسلاسة، ممّا يُمكنّه من إدخال أكثر من ألف شاحنة وحاوية يوميًا. في المقابل، لا يتجاوز عددها في طرابلس العشرات، ويزعم النّاشطون أنّ بعض هذه الشحنات يصل تالفًا أحيانًا. ويقول أحدهم لـ “لبنان الكبير”: “علينا أنْ نتخيّل حجم الخسارة التي يتكبّدها التجار الذين باتوا يُفضّلون نقل بضائعهم إلى مرفأ بيروت لتوفير الوقت والجهد. وأحد التجّار وهو صاحب أكبر وأشهر المكتبات في المدينة، يشعر بالإحباط بعد خسارته الموسم الدّراسي برمّته لأنّ بضاعته معلقّة.

*الردّ*
منذ أيّام، أصدرت إدارة مصلحة استثمار مرفأ طرابلس بيانًا أوضحت فيه أنّ عملية إخراج البضائع التي وصلت إلى المرفأ بعد تاريخ 10 أيلول 2025 تتمّ بسلاسة وطبيعية، وذلك وفقًا للإجراءات الجمركية والأمنية الروتينية المتّبعة في مرفأيّ بيروت وطرابلس دون أيّ تمييز، مشيرة إلى خروج ما يتراوح بيْن 80 إلى 100 حاوية يوميًا. ونوّهت الإدارة إلى استغراب جميع إدارات المرفأ من عدم قيام مخلّصي البضائع (التي وصلت قبل 10 أيلول) بتقديم البيانات المرتبطة بها لإخراجها “على الرّغم من أنّ تلك الإدارات قد أمّنت ساحتيْن خاصتيْن لتلك البضائع ووفّرت العمالة اللازمة لإنجازها سريعًا”.

يُؤكّد مصدر من المرفأ في تصريحٍ لـ “لبنان الكبير” ما ورد على لسان الإدارة في البيان، معتبرًا أنّ التأخير يعود لأسباب جمركية لا إدارية، مرجعه إلى عمليات التهريب، موضحًا أنّه منذ ضبط عمليتيّ تهريب، شدّد كلّ من مخابرات الجيش اللبناني والجمارك إجراءات التفتيش. في غضون ذلك، تأخّر بعض التجار في إخراج بضائعه (التي وصلت قبل 10 أيلول) وتقديمه التصريحات المطلوبة، وصدر قرار بتفتيشها بالكامل، وبعد تاريخ 10 أيلول، باتت الإجراءات عادية ولا توجد إشكالات إلّا في حال وجود ثغرة، وبالفعل، وصلت قبل ساعات 12 حاوية للكشف، وعثرنا على 6 منها تحتوي على مخالفات، حيث وضعت بداخلها بضائع لم يُصرّح عنها بالبيانات”.

يُوضح المصدر أنّ المهرّبين، (الذين يشملون تجارًا ومخلّصين جمركيين)، هم من يُعرقلون العمل في المرفأ، وتكثر مخالفاتهم خصوصًا في ما يتعلّق ببضائع الملابس وتزوير التصريحات. فعلى سبيل المثال، يُصرّح التاجر بأنّ بضاعته بالات قديمة، ليتضح بأنّها جديدة. وأخيرًا، عُثر على أربع حاويات ارتكبت هذا الخطأ ضمن محاولات تهريب البضائع، كما أنّ أحد التجار الذي كان يشتكي علنًا أمام الإعلام، داهمت الجمارك مستودعاته وعثرت على ماركات مزوّرة فيها للأسف، وهذا يعني أنّ الإجراءات التي تتخذها الدّولة بالضبط والتفتيش وتحصيل الغرامات صحيحة، ولا يخفى أنّ عمليات التفتيش باتت تتمّ بطريقة مزدوجة، تبدأ بالجمارك أوّلًا ثمّ الجيش ثانيًا، وقد تشهد المدينة ارتياحًا بنسبة تصل إلى 60 بالمائة في حال وصول الماسحات الضوئية (السكانر) المتوقّع تشغيلها في الأوّل من شهر كانون الأوّل”.

ويستغرب المصدر من عدم تقديم المخلّصين الجمركيين والتجار تصريحاتهم للبضائع التي وصلت قبل 10 أيلول إلى المرفأ، مؤكّدًا أنّها تكدّست منذ شهرين، كما يُشير إلى أنّ التاجر ينتظر الإفراج عن بضائعه، يعترض ميدانيًا، ويأمل في الوقت عيْنه في تخفيف الإجراءات. موضحًا أنّه لو قُدمّ تصريح صحيح يتضمّن تفاصيل البضاعة اليوم، لخرجت في اليوم التالي، “لكن منذ يوميْن وصلت 65 حاوية للفحص، وطُلب تقديم البيانات الخاصّة بها، لكنّ 12 جهة فقط طلبت كشفها، ممّا يٌثير التساؤل: لمَ يمتنعون عن الاستلام؟ هل يتوقّعون تراجع الجمارك عن التفتيش بالضغط عليها عبر اعتصامات أو بعامل الوقت؟”.

في المقابل، لم يغفل المصدر عن وجود ثغرات في عمل الجمارك، حيث ذكر أنّه من “المفترض في حال وجود مخالفة، فرض غرامة فورية لتخرج البضاعة بعدها فورًا، لكن ما يحدث هو انتظار التاجر لمدّة 10 أيّام حتّى تُرسَل المخالفة عبر البريد لتسجيلها في بيروت وتحويلها للمجلس الأعلى للجمارك للبتّ فيها، ممّا يُسبّب خسائر كبيرة في المرفأ وعلى التجّار بسبب التخزين. وهناك ثغرة أخرى تحدّث عنها المصدر، تتمثّل في تفتيش كلّ الحاويات التي تحتوي على بضاعة واحدة، فإذا وصلت خمس حاويات تحمل البضاعة عيْنها، يجب تفتيش حاوية واحدة فقط منها وليس جميعها “وللأسف، تُتّبع هذه الاستراتيجية في المرفأيْن، لكنّ الإجراءات في مرفأ بيروت أسرع لأنّه يستقبل 700 حاوية يوميًا مثلًا، بينما يستقبل مرفأ طرابلس 100 حاوية، ويجب تقدير هذا الفارق، وهذا لا يعني وجود تمييز، فالشكاوى التي وصلت لوزير المال من طرابلس وصلته أيضًا من بيروت التي لم ترتح من المراقبة، ولكن في طرابلس يوجد تحريض إعلامي أكبر مقارنة بالعاصمة”.

شارك المقال