لم تُصدم فعاليات شمالية من الوثائق التي كشفت عنها قناة “الجزيرة” منذ ساعات، والتي استندت إلى تسجيلات حصرية تُؤكّد تحرّكات فلول النّظام السوريّ السابق على الحدود اللبنانية- السورية وفي قلب لبنان، وتحديدًا في قرى عكّار ذات الغالبية العلوية كالحيصة مثلًا. ووفق هذه الوثائق، أعدّت قيادات سورية من النّظام “المخلوع” مثل رامي مخلوف، سهيل الحسن وغياث دلا، مخطّطًا لزعزعة استقرار سوريا انطلاقًا من لبنان، وقد أقام الحسن، بحسب التقرير، مكتبًا ضخمًا في المنطقة الحدودية، لقيادة وإدارة عمليات ضدّ سوريا وتجنيد عناصر لهذه الغاية، مشيرًا إلى أنّ 4885 مقاتلًا من هذه الفلول يتّخذون من عكّار مقرًا لهم.
ويُشير بعض هذه الفعاليات لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ التقارير الوثائقية التي عرضتها “الجزيرة” واعتمدت فيها على الأرقام والتسجيلات الصوتية، تُثير تساؤلات حول ثلاثة أمور، أوّلهما، كيفية حصول القناة على هذه الأرقام، وثانيهما، هُويّة الجهة التي سرّبت هذه المعلومات التي تُعدّ أمنية واستخباراتية بامتياز، وتتّسم بحساسية بالغة لا سيّما خلال هذه الفترة، وثالثهما، يتعلّق بردّ فعل الأجهزة الأمنية اللبنانية منها والسورية على هذا النوع من التقارير الذي لم يكن الأوّل من نوعه، إلا أنّه شكّل صدمة لورود أرقام وأسماء لم ترد في وقتٍ سابق بهذه التفاصيل.
وفي ظلّ تأكيد هذه الفعاليات إدراك القوى السورية لهذه المعلومات جيّدًا، فهي تلفت أيضًا إلى وجود تقصيرٍ أمني في لبنان، خصوصًا في الشمال، وذلك في ما يرتبط بمراقبة تحرّكات هذه الفلول ومصادرتها علنًا.
مصدر سياسيّ يُؤكّد لـ “لبنان الكبير” أنّ هذه المعلومات ليْست جديدة، وأنّ العديد من المتابعين بات على علمٍ بها دون الخوض في تفاصيل دقيقة كالتي نُشرت في التقرير.
ويقول: “كان تسريب التسجيلات والأرقام هو الأخطر أخيرًا، ولم تُعالج بالذكاء الاصطناعي كما يزعم البعض، فهناك إدارة واضحة لهذه العمليات، ولكنّها تبقى سرّية، ومنذ فترة، حاولنا الكشف عن عمليات مماثلة في مناطق أُخرى (لا نريد ذكرها) أمام الأمنيين، لكن كلامنا لم يُؤخذ بجدّية، وذكرنا أنّ إحدى المناطق تحتوي مكتبًا تحت الأرض يُنظم مثل هذه العمليات، ولكن لا حياة لمن تُنادي، لأنّ فلول النّظام يسعون إلى إدارة معارك فتنوية من مناطقنا، ولن نجني منها سوى المصائب ودوامة عنف تبدأ في سوريا ولن تنتهي في لبنان”.
ويُثمّن هذا المصدر، عدم انجرار الكثير من العلويين وراء أي محاولة لزعزعة الأمن شمالًا، لكنّه يُشدّد على ضرورة تحرّك الأجهزة الأمنية، “فقد طلبنا هذا الأمر مرارًا وتكرارًا، وعلى الرّغم من وجود الحُكماء والعقلاء اليوم، يبقى الاحتياط واجبًا، لذا، يجب ضبط الوضع سريعًا، والكشف عن السُبل التي يتمّ استخدامها لتأكيد هذه المعلومات أو نفيها وطمأنة المواطنين”.
إلى ذلك، يخشى سكّان عكّار وطرابلس، من أيّ اضطّراب أمنيّ جديد قد يجرّ منطقتهم إلى حرب وشيكة وخطيرة إنْ لم يُتدارك الأمر.
في المقابل، تنفي أوساط سياسية تابعة للطائفة العلوية هذه المخاوف، معتبرة في حديثٍ لـ “لبنان الكبير” أنّ الأرقام والوثائق المعروضة مبالغ فيها، وأنّ عكّار لا تحتمل كلّ هذه الأرقام غير الدقيقة، وأنّ هذه التسجيلات تعود لسنوات سابقة وحصلت بيْن عناصر النّظام قبل سقوطه، وتحديدًا بيْن ضباط سنّة وعلويين وليْس بيْن علويين فقط كما يدّعي البعض”.
وفي السياق عينه، يُؤكّد اتحاد بلديات سهل عكّار، أنّه سيتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقّ أيّ وسيلة إعلامية أو جهة يثبت لاحقًا “أنّها لفّقت تقارير كاذبة”، وأعلن في بيان، أنّ بلدياته كانت ولا تزال تحت سقف القانون، وفي تصرّف الدّولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، مشدّدًا على أنّ الدور الذي قامت به البلديات في استقبال النازحين السوريين منذ بداية الأزمة عام 2011، انطلق حصرًا من دوافع إنسانية وأخلاقية وقيمية، ولم يرتبط في أيّ مرحلة من المراحل بأيّ مقاربات أو حسابات سياسية.


