106 أعوام على إعلان لبنان الكبير… هل بقيت الشراكة أم إنتصر التخوين؟

آية مصري

في لحظةٍ يستعيد فيها لبنان ذكرى الكيان الذي وُلد على قاعدة الشراكة والتعددية، يعود السؤال: إلى أي حدّ بقي اللبنانيون أوفياء لفكرة لبنان الكبير التي أُعلنت من قصر الصنوبر في بيروت عند الساعة الثانية والنصف بعد ظهر الأول من أيلول 1920؟ فبينما أراد مؤسسو الدولة أن يكون الاختلاف مصدر غنى، باتت الخطابات السياسية اليوم تدفع بالخلاف إلى ساحات التخوين والتحريض، على حساب الحوار والشراكة الوطنية. وتكتسب هذه الأسئلة بعدًا إضافيًا مع إعلان تطويب البطريرك الياس الحويّك، راعي دولة لبنان الكبير، في الديمان عصر اليوم، في حدث يعيد إلى الواجهة الإرث السياسي والوطني للرجل الذي ارتبط اسمه بولادة لبنان الحديث. فهل لا تزال القوى السياسية تؤمن بالشراكة بعدما باتت فكرة التقسيم والفيدرالية، التي نادى بها البعض، الحلّ الأمثل في ظل كل ما تعيشه البلاد؟ وهل يمكن الاستمرار في تحويل الخلاف السياسي إلى تخوين؟

*الجسر: احتدام الخطابات السياسية يوصل إلى الخراب*

وفي هذا السياق، رأى النائب السابق سمير الجسر أن “القوى لا تزال تؤمن بالشراكة، والدليل أن أحداً لم يتنكر بعد للسياسة أو للوطن، ولم يتحدث عن مشاريع تقسيمية. لكن هذا لا يمنع أن البيئات المحيطة بالقوى السياسية تشترك في احتدام الخطاب السياسي، وهو ما لا يوصل إلى نتيجة، بل إلى خراب البلد. إلا أن بعض البيئات بدأت تتكلم بأنه لا يمكن الاستمرار هكذا، ولا العيش بهذا الأسلوب، وكل ذلك بحد ذاته لا يشكل خطراً مباشراً، لكنه في حال تفاقمه، لا شك في أنه سيؤدي إلى تصعيد العديد من الأمور.

وأكد الجسر، عبر موقع “لبنان الكبير”، أن “بعض الخطابات اليوم وصلت إلى مرحلة معيبة، وتحديداً في ما يتعلق بالحملات التخوينية. لكن في العصور الحديثة لم يعد هذا التعدد مشكلة، بل يجري دائماً إيجاد حلول من خلال ما يُسمى الدساتير التوافقية، وهي لا تعني أنه عندما يُتخذ قرار بشأن أمر معين يجب أن يوافق عليه الجميع، بل يتم إنشاء نظام تمثيلي للبلد، وعلى أساسه يتحقق التوافق، فيما تقوم الديمقراطية على حكم الأكثرية، بصرف النظر عن الانتماء المناطقي أو الطائفي أو العرقي. وبالتالي ينشأ نظام يتوزع فيه التمثيل، وقد مرت بلدان كثيرة بتجارب مماثلة، ومنها سويسرا”، معتبراً أنه “في حال استمرار هذا الجدل والخطاب السياسي غير المسؤول، فإنه سيخلق حدوداً سياسية ونفسية توصلنا إلى أماكن أخرى.

*أبو الحسن: متمسكون بصيغة الوفاق الوطني*

وأكد أمين سر كتلة “اللقاء الديمقراطي” النائب هادي أبو الحسن لموقع “لبنان الكبير” أن “موقفنا ثابت لناحية الحفاظ على صيغة لبنان الكبير، وهذا ما عبّرنا عنه في الجولات السياسية مع بداية الحرب، ونتمسك، أكثر من أي وقت مضى، بصيغة الوفاق الوطني التي تُرجمت من خلال الدستور اللبناني الذي أُقرّ في الطائف”، مضيفاً: “وبالتالي، مهما كبرت التحديات وازدادت الخلافات، فإن الحل يكون بتطبيق اتفاق الطائف، الذي ينص على إصلاحات سياسية وإدارية، ومنها اللامركزية الإدارية، وغير ذلك لا يصحّ الوضع في لبنان”.

ورأى أبو الحسن أن التعددية السياسية والثقافية في لبنان أمر طبيعي وصحي، والمهم ألّا يتحول هذا الأمر إلى خلاف، وأن يبقى في إطار الاختلاف في الرأي، لا الخلاف الذي من الممكن أن يُترجم بشكل أو بآخر، مؤكداً أن لغة التخوين لا تبني الأوطان، وبالنتيجة نحن محكومون بأن نعيش مع بعضنا البعض.

*الرياشي: الشراكة الشرط المؤسس لوجود لبنان*

وقال عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب ملحم الرياشي لموقع “لبنان الكبير”: “إن لبنان الكبير لم يكن مجرد توسّع جغرافي أو تسوية سياسية عابرة، بل كان رهاناً على إمكانية اجتماع التنوع في إطار وطن واحد. ففلسفة قيامه لم تقم على منطق الغالب والمغلوب، بل على الاعتراف المتبادل بأن لا جماعة تستطيع أن تختصر الوطن بنفسها، وأن الوطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه”، معتبراً أن “الشراكة ليست امتيازاً تمنحه أكثرية لأقلية، بل هي الشرط المؤسس لوجود لبنان نفسه”.

وأشار الرياشي إلى أن “الشراكة لا يمكن أن تعيش في مناخ التخوين. فالخلاف السياسي هو دليل حيوية في أي نظام ديمقراطي، أما التخوين فهو إعلان موت السياسة، لأنه ينزع عن الخصم شرعيته ويحوّله من شريك في الوطن إلى عدو يجب إقصاؤه. وعندما يصبح الاختلاف تهمة، والحوار استسلاماً، والتسوية خيانة، تفقد الدولة قدرتها على احتضان تعدديتها، ويتحوّل الوطن إلى ساحة صراع بين روايات متناحرة، لا بين مشاريع سياسية متنافسة. لكن الدفاع عن الشراكة لا يعني الدفاع عن الجمود”، موضحاً أن “التجارب أثبتت أن النظام السياسي يحتاج إلى مراجعة شجاعة تعيد بناء الثقة بين الشركاء، وتنتقل من محاصصة تُنتج الأزمات إلى شراكة تُنتج دولة. وبالتالي، المطلوب ليس إلغاء التنوع، بل تنظيمه ضمن عقد وطني جديد يوازن بين الحرية والوحدة، ويضمن لكل مكوّن حقوقه وكرامته، من دون أن يعطّل قيام دولة قوية وعادلة”.

وشدد الرياشي على أن “الدولة لا تكون قوية عندما ينتصر فريق على آخر، بل عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء في صنع القرار، ومتساوون أمام القانون، وآمنون على وجودهم ومستقبلهم. إن مستقبل لبنان لن يُبنى بمنطق الاتهام المتبادل، بل بثقافة الاعتراف المتبادل؛ فالأوطان لا يحميها الإجماع القسري، بل الاختلاف المنظم. والتعددية ليست لعنة إذا أحسنّا إدارتها، بل هي مصدر غنى حضاري وسياسي. لذلك، فإن الوفاء لفكرة لبنان الكبير اليوم لا يكون بتكرار صيغ الماضي، بل بتجديدها في إطار نظام سياسي أكثر عدلاً وفاعلية، يجعل من الشراكة قاعدة للحكم، ومن التنوع قوة للدولة، ومن الحوار بديلاً دائماً عن التخوين والإلغاء”.

*درغام: لا خيار لنا إلا لبنان الكبير*

ولفت عضو تكتل “لبنان القوي” النائب أسعد درغام إلى أن كل الأفرقاء اللبنانيين لا يزالون متمسكين بلبنان الكبير، لكن في بعض الأحيان تكون الخطابات المتشنجة وعالية السقف، وخطابات التخوين بين الأفرقاء، غير مساهمة بشكل إيجابي في العيش معاً والإيمان بلبنان الكبير بوصفه المكان الآمن الذي يجب أن نكون جميعاً تحت سقفه، وأن نقبل بالاختلاف في وجهات النظر، والمنافسة السياسية من خلال المنافسة الانتخابية، لكن ذلك لا يعني أن نعود إلى حالة الاقتتال”.

وأشار إلى أن “المطلوب أن نكون جميعنا تحت سقف الدولة، وتحت سقف لبنان الكبير. فعندما تكون هناك مرجعية واحدة متمثلة بالدولة، وحصرية السلاح بيد الدولة، نكون جميعنا نؤمن بلبنان الكبير، ولا مصلحة لأي طرف بالتفرقة أو التقسيم أو الفيدرالية، التي قد تقود إلى حالة من الانقسام قد تؤدي إلى فتنة”.

ورأى درغام أن “تطويب البطريرك الياس الحويّك، الذي كان راعياً لإنشاء لبنان الكبير، يشكل فرصة يجب أن نؤكد من خلالها أنه لا خيار لنا إلا لبنان الكبير ومرجعية الدولة التي تؤمن بهذا الخيار، وعندما يكون السلاح تحت أمرة الدولة والجيش اللبناني، نؤكد أننا في دولة لبنان الكبير”.

*الحلو: الشراكة باحترام الدستور*

ومن جهته، اعتبر الأمين العام لـ”الكتلة الوطنية” ميشال الحلو أن “أكثرية القوى السياسية تؤمن بالشراكة الوطنية باستثناء حزب الله، ونحن نتأسف لأن الاختلاف السياسي يتحول إلى تخوين، إذ يمكننا أن نختلف من دون أن يتم تخويننا، والاختلاف يجب أن يكون تحت سقف القانون والديمقراطية لإدارة الاختلاف”.

وأوضح أن “ما يحدث اليوم يؤكد أن هناك فريقاً لا تهمه الشراكة، ولا حتى تحرير الأرض، بالرغم من أن الدولة تبادر وتبدأ بتحرير الأرض بالدبلوماسية والتفاوض، وبالرغم من ذلك، فإن تلك الفئة تخوّن رئيس الجمهورية والحكومة، لأن مواجهة إسرائيل بالنسبة إليها أهم من تحرير الأرض”.

وأكد الحلو أن “الشراكة يجب أن تكون من خلال احترام الدستور والمؤسسات. فالشراكة ليست بسرقة الشعب وأمواله، ولا بالاعتداء على أصول الدولة، بل بالسياسة المحترمة، واحترام الدستور، وصون السيادة، واعتماد سياسة بعيدة عن السلاح والمليشيات، وخارج الكارتيل المافيوي الذي حكم البلاد لسنوات”.

وبين من يتمسّك بلبنان الكبير كصيغة نهائية للعيش المشترك، ومن يحذّر من تصاعد خطاب التخوين والانقسام، يبقى التحدّي الحقيقي في ترجمة الشراكة من شعار سياسي إلى ممارسة وطنية. فلبنان لا يُحفظ بالاتهامات المتبادلة، بل بدولة تجمع أبناءها تحت سقف الدستور والحوار، كما أراده مؤسسو الكيان قبل أكثر من قرن.

شارك المقال