تزويد لبنان بالغاز المصري: 12 ساعة كهرباء بدءا من آذار!

سياسة 24 كانون الثاني , 2022 - 12:03 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

باتت احلام اللبنانيين بفضل المنظومة السياسية الحاكمة متواضعة جداً، واصبحوا يفرحون عندما يسمعون ان التيار الكهربائي سيتأمن 12 ساعة يومياً بعدما ذاقوا الأمرين من تقنين قاس وظلام دامس، ويعتبرون أي انفراج في موضوع الكهرباء نعمة بل هبة من الله، إلا أنها في الواقع هي ترجمة لمبادرة أميركية أول من تكلم فيها كانت السفيرة الآميركية دوروثي شيا، معلنة عن استعداد الولايات المتحدة لدعم مشروع تزويد لبنان بالغاز المصري لحل مسألة الكهرباء جزئياً.

وبعد مرور أشهر عدة، قرر موقع "لبنان الكبير" فتح هذا الملف بكل تفاصيله وكواليسه منذ بداياته والمرحلة التي بلغها والخطوات المرتقبة، وما يروى عن الغاز المصري أنه اسرائيلي وما إلى ذلك.

بادئ ذي بدء ليست مسألة تمرير الغاز من سوريا إلى لبنان جديدة، فعموماً لبنان مرتبط بخط الغاز العربي المنطلق من مصر مروراً بالأردن فسوريا وصولاً إلى البداوي وأخيرا معمل دير عمار. والجزء الذي يمر فيه الغاز إلى لبنان انتهى عام 2005 وتم وصله بخط الغاز العربي وصولاً إلى دير عمار، ووُضِع في الخدمة للمرة الأولى عام 2009، حينها زوّد معمل دير عمار بالغاز نتيجة اتفاقية وقّعت بين مصر ولبنان لشراء الغاز الطبيعي من مصر. في موازاة ذلك، وقّع على اتفاقية بين مصر وسوريا أطلق عليها اسم "اتفاقية تبادل الغاز الطبيعي"، وبموجب الاتفاقيتين كانت مصر تُرسل الغاز عبر خط الغاز العربي إلى سوريا، والأخيرة تستلم الغاز وتعطي لبنان كميّة توازي الكمية التي استلمتها من مصر...

استمر العمل بموجب هذه الاتفاقية حتى عام 2010، تاريخ انطلاق الثورة في سوريا، وتحوّلها حرباً ضارية.

أما ما حصل منذ فترة قصيرة، فهي مبادرة اميركية لمساعدة لبنان كي يحصل على الغاز من مصر عبر سوريا، لذلك كان لا بد من العودة إلى مضمون الاتفاقيات السابقة، وتوقيع لبنان مجدداً على اتفاقية شراء الغاز من مصر من جهة، واتفاقية تبادل الغاز مع سوريا من جهة أخرى، لذلك هذه الاتفاقيات ستجري بين لبنان وسوريا ومصر، أي لبنان بات طرفاً في الاتفاقية وليس مجرد شاهد!

والمفارقة ان الأميركيين طلبوا أن لا يكون التعامل مع سوريا بواسطة المال أي الدولار إنما سيحصل بطريقة عينيّة، لأن سوريا لديها رسم مرور تستوفيه مقابل الوحدات الحرارية من الغاز، إلا أنها استجابت لطلب الأميركيين وستأخذ رسم المرور من خلال نسبة مئوية من الغاز، وهكذا يكون الاتفاق واضحاً ومحدداً. بالنسبة إلى مصر ستتكفّل بتزويد لبنان بما لا يقل عن 650 مليون متر مكعب من الغاز.

حول مصدر الغاز بأنه اسرائيلي، المسألة ليست مهمة باعتبار ان مصر سترسل الغاز إلى الأردن فسوريا، والأخيرة ستزوّد لبنان بغاز من آبارها، وبالتالي لبنان غير معني بمصدر هذا الغاز! وللمزيد من المصداقية أرسلت مؤسسة كهرباء لبنان مسؤولين ومهندسين يعملون لديها إلى سوريا كي يتأكدوا من جاهزية وسلامة آبار الغاز في سوريا وضرورة مطابقتها للمواصفات المحددة في الاتفاقية، وهي صالحة للاستعمال في معامل انتاج الطاقة في لبنان وخصوصاً معمل دير عمار. كما جرى التأكد في الزيارة إلى سوريا من جاهزية الشبكة السورية الموصولة بلبنان، وهي جاهزة لتسليم الغاز للبنان بمجرد ضخّه من مصر حسب الاتفاقية.

أما في الجزء اللبناني، فتجري بعض التصليحات لخط الغاز قرب الحدود اللبنانية السورية وهو يمتد حوالي 30 كيلومتراً من الحدود السورية حتى البداوي، وقد تعرّض هذا الخط للتخريب بهدف السرقة منذ فترة، ومن الضروري أن يخضع للصيانة وهذا ما يحصل الآن تحت اشراف شركة مصرية، وسيكون جاهزاً بعد شهر ليمر فيه الغاز. من جهة أخرى، ستتولى شركة "سيمنس" الالمانية التأكد من حرق الغاز في معمل دير عمار بطريقة آمنة.

ومن المتوقع أن تتحسّن الكهرباء بدءا من شهر آذار لتزويد المواطنين اللبنانيين وكل المقيمين داخل الأراضي اللبنانية بـ12 ساعة كهرباء يومياً، لكن كثرا يتساءلون كيف سيحصل ذلك؟

الجواب: يعمل معمل دير عمار اليوم على الفيول وليس بقدرته التشغيلية الكاملة بسبب عدم وجود ما يكفي من الفيول الذي يأتي من العراق ويؤمّن نحو ثلاث ساعات من الكهرباء في اليوم. ومن المتوقع أن يوقّع لبنان اتفاقاً مع ​الأردن​ هذا الأسبوع، ‏لتوصيل ​الكهرباء​ عبر سوريا​، وذلك قبل التوجّه إلى ​دمشق​، حيث من المقرر أن يوقع مسؤولون أردنيون ولبنانيون، اتفاق عبور مع سوريا التي ستأخذ جزءاً من الكهرباء مقابل مرورها في اراضيها.

الصفقة مهمة بالدرجة الأولى، لأنها ستؤدي إلى تزويد لبنان بالكهرباء ثلاث ساعات اضافية لتبلغ مع ساعات الفيول العراقي خمس ساعات يومياً. واللافت ان الكهرباء من الأردن أنظف وأرخص من الكهرباء التي تنتجها مولدات خاصة باهظة الثمن وملوّثة للبيئة. أما الصفقة فستزود لبنان، بما يصل إلى 250 ميغاواط من الكهرباء نهارًا، و150 ميغاواط ليلًا. يُضاف اليها مطلع آذار وعند وصول الغاز المصري ما لا يقل عن 7 ساعات كهرباء يومياً، فيصبح المجموع ما لا يقل عن 12 ساعة كهرباء يومياً، وهذا تطور ايجابي يحل مسألة التقنين ويخفف كلفة الفاتورة الناجمة عن المولدات الخاصة والتي أصبحت باهظة وترهق المواطنين، علما ان تعرفة مؤسسة كهرباء لبنان ولو ارتفعت، ستبقى أقل من تعرفة المولدات الخاصة.

ويتولى البنك الدولي تمويل هذا المشروع عبر قروض طويلة الأمد تعطى لمؤسسة كهرباء لبنان، وهو يضع شروطاً هدفها التأكد من ان المؤسسة تحقق ارباحاً كي تضمن تسديد ديونها، وما يجري اليوم هو تدقيق البنك الدولي بالحسابات المالية للمؤسسة، مطالباً برفع التعرفة. إضافة إلى ذلك، يفرض البنك الدولي شروطاً بيئية واجتماعية ويقوم بالتحقيق فيها في معمل دير عمار وخط الغاز، للتأكد من مطابقتها لشروطه.

عن اشكالية قانون قيصر ومطالبة مصر بوثيقة خطية تعفيها من أي عقوبات نتيجة ضخ الغاز الطبيعي إلى لبنان عبر سوريا، وافقت الادارة الأميركية على منح الإعفاءات اللازمة لمصر والأردن لاستجرار الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر سوريا، وحجب أي تأثير للعقوبات المفروضة على دمشق بموجب قانون قيصر. والإعفاء سيكون محصوراً بنقطة أساسية، وهي الاتفاقية التي سيتم توقيعها بين الدول الأربع، أي مصر، الأردن، سوريا ولبنان. وبعد إنجاز هذه الاتفاقية وتقديم "فذلكة" قانونية وسياسية وخدماتية لها، يتم إرسالها إلى الخارجية الأميركية التي ستحيلها بدورها إلى وزارة الخزانة لإعطاء الإعفاء اللازم من أي عقوبات.

لكن لا شك أن هناك مخاطر لجهة استدامة المشروع لأنه يرتكز الى اتفاقيات مشتركة مع دول خارجية، وبالتالي تعرّض أي من هذه الدول لأحداث معينة أو تخريب، سينعكس على الكهرباء.

مع ذلك، يُعتبر هذا المشروع ايجابياً بشكل عام، وخصوصاً من الناحية الفنية والاقتصادية والبيئية وانعكاسه على المواطن المتعطش لتخفيف عبء انقطاع الكهرباء عنه. فإذا أردت ان تطاع أطلب المستطاع، إذ لن تكون الكهرباء متوافرة للمواطن 24 على 24 ساعة مع استمرار هذه المنظومة السياسية، وبالتالي قد يكون الحل الجزئي من خلال تزويد لبنان بالغاز المصري فسحة أمل للبنانيين، على أن يكون الموعد المتوقع لكي ينعموا فيه الكهرباء في آذار المقبل، إذا لم تحصل أي عرقلة تؤخره.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us