لعبة عض الأصابع… الشعب من يصرخ أولاً!

محمد شمس الدين

رفض اللبنانيون أن يحلوا أمورهم بأنفسهم، وهو أمر ليس بمستجد، بل أصبح عرفاً في البلد، كل القوى تتسلق شجرة التصعيد وتبدأ بمراشقة الكلام من فوقها، وتبدأ حفلات المزايدة من دون فائدة، لا رئاسة جمهورية، حكومة مشلولة، مجلس نواب شبه معطل، و”الخير لقدام”. وبدل أن تحاول القوى السياسية اللجوء الى الحوار في ما بينها، حتى لو كانت تعلم أنه سيكون من دون نتيجة، ولكن من شأنه تخفيف التشنج في البلد، رفضته رفضاً قاطعاً، لأنها لن تستطيع تبرير الأمر أمام جمهورها الذي حقنته بأسوأ أنواع الحقن المذهبي والطائفي، بل زرعت في رأسه أحلاماً لن تستطيع تنفيذها. والمؤسف أكثر أنه إذا قمنا بجولة على الشعب اللبناني من شماله إلى جنوبه وسألناه من سينتخب إذا جرت انتخابات نيابية اليوم؟ فسيجيبنا: سأختار الزعيم الذي يحميني من الآخر، ولن تسمع منه هواجس الفقر والجوع والعوز.

القوى السياسية اليوم تلعب لعبة عض الأصابع، تنتظر أن يصرخ المحور الآخر أولاً، ولكن فعلياً الصراخ سيأتي من الشعب، بحيث وصل سعر صرف الدولار إلى 100 ألف ليرة، وهذا سيؤثر على كل القطاعات في بلد لا يزال جزء كبير من شعبه يتقاضى راتبه بالليرة، وهذا الأمر سينسحب على كل جوانب الحياة، من الدولار الجمركي الجديد، حتى تسعير التعاونيات بالدولار، إلى الطبابة والنقل وكل القطاعات، وأهم من ذلك كله التعليم، اذ يبدو مستقبل الشباب اللبناني هو الأمية بعدما كان لبنان منارة العلم في الشرق، وتُجمع غالبية السياسيين على أن أهم مورد في لبنان هو الانسان، فاللبنانيون غزوا بلدان العالم بنجاحاتهم، وكان الطالب اللبناني المتخرج حديثاً مرغوباً به وظيفياً، تحديداً في الدول العربية، وذلك بسبب السمعة العالية للعلم في لبنان، أما اليوم فقد يشهد جيلاً كاملاً من دون تعليم لائق، بسبب فشل الدولة في إعطاء الأساتذة حقوقهم.

أما من ناحية الطبابة فأصبح اللبناني يعض على وجعه خوفاً من الفاتورة الباهظة، فحتى معاينة الطبيب أصبحت مسعرة بالدولار، ويا ويله إن كان بحاجة إلى دخول مستشفى، فقد يفضل الموت، ولكنه أيضاً يفكر في الأمر كون دفن الميت أصبحت تكلفته عالية جداً، قد لا يستطيع ذووه تحملها.

لم يبقَ في لبنان إلا الأمن، الذي يعتبر بالنسبة الى ما يعانيه البلد، ممسوكاً نسبياً، على الرغم من أن الجريمة منتشرة إلا أن الأمن الاجتماعي مقبول عموماً، ولم تخرج الأمور عن السيطرة بعد، ولكن لا يمكن توقع المستقبل، والهاجس دائماً من لحظة انفجار قد تقلب البلد رأساً على عقب، ومتى يحصل هذا الانفجار لا أحد يعلم، فالقوى الأمنية تقوم بأكثر من واجبها، خصوصاً الجيش وقوى الأمن. وبالحديث عن قوى الأمن فلا تزال رواتب عناصرها أقل من 100 دولار، وأصبح الكثيرون منهم يعملون في وظيفة أخرى إضافة الى عملهم في السلك، كي يستطيعوا إعالة عائلاتهم، بينما الدول المانحة تركز على الجيش ووحدته أكثر.

من يصرخ أولاً؟ أي محور سيقول “آخ” قبل الآخر؟ هل يرضخ محور الممانعة أم القوى “السيادية” هي التي سترضخ؟ من الواضح أن كلا المحورين يستطيع المد في لعبة عض الأصابع إلى ما لا نهاية، بانتظار ميل الرياح الاقليمية باتجاه أحدهما، علماً أن القوى الدولية والاقليمية لا تضع لبنان في سلم أولوياتها، وبالتالي الصرخة ستكون من الشعب، الذي مهما حاول السكوت اليوم إرضاءً لانتمائه السياسي، إلا أن الجوع عندما يضرب بابه، لن يستطيع البقاء ساكتاً. الفتيل جاهز ولا يحتاج إلا إلى شعلة، تحديداً مع استعمال بعض القوى البروباغندا الطائفية والشحن المذهبي، وتغذية الانقسام بين اللبنانيين، وأكبر دليل ما يجري من مطالبات بتقسيم بيروت وعندها لا يمكن القول إلا “الله يعين البلد”.

المضحك المبكي أن دعاة التقسيم والفديرالية يبدون جاهلين لأصولهما، فقد نقل عن خبير سويسري كان يتولى تحضير ورشة حوار لبناني أنه سأل أحد دعاة الفديرالية عن قضايا الخلاف في لبنان، فقال: السياسة الخارجية والدفاعية والمالية. فأجابه: لكن هذه هي الثوابت التي تبقى مركزية في الفديرالية ولا يلحقها الاستقلال والتغيير، فأنتم تقترحون دواء جيداً لكن للمرض الخطأ.

شارك المقال