كلمة السرّ: المرشّح الثالث!

جورج حايك

كُتِبَ الكثير عن زيارة المبعوث الفرنسي جان ايف لودريان إلى لبنان ولقاءاته بالقوى السياسية اللبنانية، وكالعادة الانقسام اللبناني العمودي يدفع كل فريق سياسي إلى ترجمة مفاعيل هذه الزيارة وفق مصالحه، ويأخذ منها نقاط قوة تدعم طروحه ويرمي بما ليس في مصلحته في سلّة المهملات، وخصوصاً أن لودريان كان مستمعاً أكثر مما هو متكلّم، وقد صارح اللبنانيين بأن لا مبادرة لديه حالياً، بل مهمة استطلاع نفّذها بدقة وانتباه لأن هدفه رفع تقرير الى ادارته عن استنتاجاته من اللقاءات المتعددة.

أهم ما عبّر عنه لودريان أن دعم فرنسا لترشيح رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية على نحو حصري إنتهى، إلا أن ادارته لا تتدخل في القوى السياسية التي لا تزال تدعم ترشيح فرنجية مثل الثنائي الشيعي الذي أكّد للودريان أنه ماض في دعم ترشيحه حتى النهاية، وهذا ما صعّب المهمة. فوزير الخارجية الفرنسية السابق ليس بعيداً عن مفهوم المعارضة للانتخابات الرئاسية ويعرف أن منطق الفرض الذي يمارسه “حزب الله” والرئيس نبيه بري لا يتلاءم مع منطق الديموقراطية الذي تؤمن به فرنسا.

فتوقيت زيارة لودريان إلى لبنان كان معبّراً، إذ جاء بعد الجلسة الانتخابية في 14 حزيران الفائت ونتائجها الواضحة لمصلحة الوزير السابق جهاد أزعور على نحو لا يقبل الشك، وهذا ما يبرر هروب نواب الثنائي الشيعي قبل الدورة الثانية. عملياً استخلص لودريان أن المعارضة تمكّنت من إنهاء ترشيح فرنجية من خلال ترشيح أزعور، ورأى أن استمرار الثنائي الشيعي في ترشيحه يعقّد الأمور، فيما القصد منه استدراج “حزب الله” للعروض كي لا يتخلى عن ترشيح فرنجية من دون مقابل!

لا شك في أن لودريان سياسي محنّك، ويعرف عقليات القوى السياسية ومناوراتها جيداً. ويعرف أن الشغور سيستمر طالما يعتمد الثنائي الشيعي هذه السياسة الاستقوائية العقيمة، وهو سمع من ممثلي المعارضة كلاماً حاسماً بعدم التنازل أمام “حزب الله” مهما كانت الضغوط. فمصير لبنان أصبح على المحكّ ولا يمكن القبول بمبدأ غالب ومغلوب، وإلا فقد لبنان هويته التعددية وفرادته بالعيش المشترك.

الأهم في الموضوع أن السياسة الفرنسية في لبنان تصوّب نفسها، ولن تستعجل للدعوة إلى حوار في فرنسا أو أي دولة عربية، بل ستعمل إدارة ايمانويل ماكرون بعد جهوز تقرير لودريان على مناقشته مع السعودية التي تعوّل على شراكتها مع فرنسا بالنسبة إلى البحث عن حل للأزمة اللبنانية، وحتماً لن تكون الولايات المتحدة الأميركية ومصر وقطر بعيدة عن الحلول المقترحة.

ومن هذه الحلول وأكثرها واقعيّة ما دفع اليه لودريان في كل لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين، وهي كلمة السرّ: البحث عن مرشّح ثالث! والتحدّث عن هذا الأمر يعني استبعاد كل من فرنجية وأزعور، والتركيز على إسم قائد الجيش العماد جوزيف عون. فهو يحظى بثقة الدول الخمس على نحو استثنائي، ولا يثير ريبة القوى السياسية الداخلية وقد يكون هناك تقاطع حوله، إلا أن موقف الثنائي الشيعي لا يزال يعقّد الأمور بإصراره على مرشّحه “المهزوم” فرنجية، وبالتالي الأمور لن تكون سريعة قبل نزول الثنائي عن الشجرة، ومحاولاته تحقيق مكاسب إذا قبل بالعماد عون.

على كل حال، يبدو أن فرنسا لن تضيّع الوقت، وبعد مشاورات مع الدول الأربع، ستباشر مباحثات مع إيران من أجل أن تطلب من فريقها السياسي في لبنان التراجع عن مرشحه الرئاسي، قبل أن يعود لودريان إلى لبنان بعد فترة محمّلاً بأفكار عدة لجدول أعمال يشكّل مخارج لا يشعر معها أي فريق بأنّه خرج مغلوباً من الاستحقاق الرئاسي، والتلويح بالعقوبات على الفريق الذي يصرّ على التعطيل ورفض مدّ اليد.

أما المخرج الأخير فقد يكون طاولة حوار في لبنان يرأسها ماكرون بنفسه على غرار ما فعله سابقاً، ويكون شرطها أن تتموضع باريس على مسافة واحدة من الجميع وتبحث عن مخارج انطلاقاً من ميزان القوى اللبناني، وأن يكون فيها الرئيس الفرنسي حازماً لا شيخ صلح، بمعنى أن يُحمِّل علناً الفريق الذي يعرقل مسؤولية استمرار الشغور.

كل الدول المعنيّة بالشأن اللبناني وخصوصاً فرنسا باتت مقتنعة بأن العماد جوزيف عون يشكّل مساحة مشتركة بين الجميع، إضافة إلى اعتراف أكثرية القوى السياسية اللبنانية بنجاحه في قيادة المؤسسة العسكرية. ولعل التسوية التي تسعى اليها فرنسا قد تستغرق أشهراً حتى تكتمل، وبذلك تكون مدة خدمة العماد عون في قيادة الجيش اللبناني قد انتهت في أواخر كانون الأول 2023، ولا تعود مسألة انتخابه تستدعي تعديل الدستور وتعقيدات أخرى.

قد يعتبر البعض أن الانتظار إلى مطلع السنة الجديدة لانتخاب رئيس هو ترف في ظل الوضع الاقتصادي والمالي الضاغط في لبنان، لكن كما بات واضحاً أن عواصم القرار تحرص على تجميد الانهيار عند نقطة معينة وأهم نتائجها استقرار سعر صرف الدولار، بحيث سيمضي فصل الصيف هادئاً من دون أي مفاجآت تُذكر.

شارك المقال