ليست دعوات “حزب الله” المتواصلة إلى الحوار بريئة، وما يخفيه هذا العنوان “المسالم” خطير جداً في الشكل والمضمون. وقد يخيّل للقارئ أن الدعوة إلى الحوار منطقية في ظل استعصاء انتخاب رئيس للجمهورية في المجلس النيابي، لكن القاصي والداني بات يعرف الأسباب التي حالت دون انتخاب رئيس حتى اليوم، وببساطة شاهدها الشعب اللبناني عبر الشاشات مباشرة طوال 12 جلسة انتخابية، إذ كانت تجري الدورة الأولى، وسرعان ما ينسحب نواب “الثنائي الشيعي” من الجلسة قبل الانتقال إلى الدورة الثانية التي يمكن أن يفوز فيها مرشح رئاسي بالنصف زائدا واحداً، فيُفقد النصاب ويقوم رئيس مجلس النواب نبيه بري برفع الجلسة.
هذا السيناريو المتكرر كانت تليه دائماً دعوات إلى الحوار الذي يريده “الثنائي الشيعي” بديلاً من اللعبة الدستورية الديموقراطية التي تقضي بالتنافس بين مرشحين عدة، كما يحصل في كل الدول الديموقراطية المعاصرة، وهو لا يكتفي بذلك بل يدعو إلى حوار متمسكاً بمرشحه “الراسب” سليمان فرنجية، وهذا ما يراه الفريق المعارض محاولة للفرض وممارسة المزيد من الهيمنة.
قد يعتقد البعض، للوهلة الأولى، أن “حزب الله” أصبح جمعية لخدمة الانسان والصداقة وترويج اللاعنف من شدة مطالباته بالحوار، لكن ليس سراً أن “الحزب” عاجز عن انتخاب رئيس للجمهورية، وهو غير مطمئن للمسار الاقليمي، ولا إلى ميزان القوى الداخلي، لذلك يتمسّك بمعادلته الشهيرة “مرشحي أو الشغور”، ويقترح الحوار ليقنع المعارضين بمرشحه الذي يشكّل ضمانة لخاصرة ما يسمى مقاومته، وذلك تحقيقاً للهدف نفسه: الإبقاء على سلاحه وسطوته وهيمنته، وإبقاء لبنان ساحة فوضى وفلتان.
لذلك، نتيجة الحوار باتت معروفة سلفاً، الإذعان لإنتخاب فرنجية، وإذا لم تقتنع قوى المعارضة، يعود ويعلن فشل الحوار بسبب تمسّك خصومه بمنطقهم، خصوصاً أنّه يُمسك بورقة الشغور كإمساكه بورقة السلاح، فإذا انتزع موافقتهم على مرشحه كان به، وخلاف ذلك يستمر الشغور! وهذا يعني أمراً واحداً: الشيعية السياسية الايرانية تتمسّك برئاسة الجمهورية كأداة متقدمة لسيطرتها على مفاصل الدولة.
بهذا الأسلوب الخبيث، يحاول “الثنائي الشيعي” أن يضلل الرأي العام اللبناني بأنّ مَن يتحمل مسؤولية الشغور هو الفريق الرافض للحوار، فيما المسؤولية تقع أمس واليوم على الفريق الذي يستبدل الانتخاب بالتعيين ولا يلتزم بالمهلة الدستورية ويعطِّل الانتخابات سعياً الى فرض مرشحه الرئاسي. وإذا افترضنا أن المعارضة قبلت بالحوار، فسيحمّل الثنائي فشل طاولة الحوار ومسؤولية الشغور للمعارضة، فيما المسؤولية الأولى والأخيرة يتحملها الفريق الممانع بتعطيله الآليات الانتخابية الرئاسية.
ولكن الفريق الممانع أساء التقدير هذه المرة لأن المعارضة لن تقبل بأي حوار، والقرار إتخذ لأسباب عديدة أهمها:
- دستورياً ما يحصل خطير جداً وهو أشبه بلغم ملفوف بورقة “هديّة” ملوّنة وبرّاقة، فالحوار في الموضوع الرئاسي يعني الخروج عن النصّ الدستوري والذهاب في اتّجاه تكريس عرف جديد خلافاً لاتفاق الطائف، لأنّ الانتخابات الرئاسية تحصل في البرلمان وفقاً للآليّات الانتخابيّة المعروفة، ومن الواضح أنّ “الثنائي الشيعي” الذي انتزع الثلث المعطِّل في اتفاق الدوحة خلافاً لاتفاق الطائف، ويسعى الى تكريس الميثاقيّة المذهبيّة بدلاً من الميثاقيّة الوطنيّة المسيحيّة – الاسلاميّة، يريد اليوم عن طريق إصراره على الحوار أن يكرِّس هذا الحوار مدخلاً إلى أيّ انتخابات رئاسيّة بدلاً من البرلمان، علماً أن منشأ الحوار الذي بدأ منذ العام 2006 هو ثنائي الحزب والحركة، أي أنّ هذا الثنائي هو المسبِّب للأزمة اللبنانيّة منذ خروج الجيش السوري من لبنان، والحوار هو الاسم الحركي للفيتو الشيعي الايراني، بمعنى أنه استبدل مصطلح الفيتو بمصطلح الحوار، فلا رئيس للجمهورية من دون موافقته.
- الحوار بحسب مواقف مسؤولي “حزب الله”، وأبرزهم الشيخ نعيم قاسم الذي قال: “لا يمكن أن تُفتح كوَّة في الأفق المسدود إلَّا بالحوار من دون اشتراط إلغاء أيِّ اسم ولا إلغاء أيِّ نقاش في أي موضوع على طاولة الحوار”، يعني أنّ الحوار لن يقتصر على اسم الرئيس، بل سيتعداه إلى النقاش في مواضيع أخرى، وبذلك يريد الحزب الاتفاق على سلة تفاهمات قبل الانتخابات مثل ضمانات تتعلّق برئيس الحكومة وشكل الحكومات في العهد الجديد ووزارة المالية وبعض المواقع في الدولة.
- هناك من يتوسّل البراءة ويتكلم عن القبول بحوار برعاية فرنسية من خلال ترؤس الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون جلسات الحوار، إلا أن بعض قوى المعارضة غير مرتاح لكلام يُقال همساً في المجالس الخاصة ويشكّل خطراً على النظام اللبناني ككل. فـ”الثنائي الشيعي” يتطلع في العمق إلى ما هو أبعد من الضمانات الحكومية وغيرها، أي إلى رغبته في تعديل اتفاق الطائف تعزيزاً لدوره في السلطة التنفيذيّة والدليل “السلبطة” على وزارة الماليّة خلافاً للدستور الذي لا يكرِّس حقيبة لمذهب أو طائفة، وبانتظار أن يحقِّق هدفه يريد أن تكون رئاسة الجمهوريّة من حصّته، أي رئيس للجمهورية يلتزم بأولويّات الجمهورية الاسلامية الايرانية لا الجمهورية اللبنانية. واللافت أن هذا الثنائي يُمعن في تعطيل الدستور وشلّه عمداً بهدف القول إنّ الأزمة في لبنان هي أزمة نظام سعياً إلى تعديلات تمنح الشيعيّة الايرانيّة القدرة على الإمساك بمفاصل النظام بالطرق الشرعيّة وليس عن طريق قوة الأمر الواقع فقط.
في الواقع، يعرف “حزب الله” أن أكثرية قوى المعارضة ترفض الحوار وتجاوز عملية انتخاب الرئيس بالآلية الدستورية، لذلك يشبه تركيزه المنهجي على الحوار رمي القنابل الدخانية لملء الوقت المستقطع حتى عودة المبعوث الفرنسي جان ايف لودريان وإيهام الرأي العام بأنه مع الحوار لا التعطيل وأن خصومه هم من يرفضون الحلّ، في حين أنّ الحزب لا يأخذ في الاعتبار أنّ أي فريق لا يعتد بدعواته الى الحوار ما دام متمسّكاً بمرشحه ويراهن على عامل الوقت لتراجع أخصامه وإعادة تدجين بعض حلفائه للسير بمرشحه.
المسؤولية على المعارضة كبيرة جداً، وعليها أن تعلم بأن موازين القوى النيابية والشعبية والسياسية والوطنية والخارجية لمصلحتها وليست لمصلحة “الحزب” ومشروعه.


