تطل اليوم الذكرى الـ 45 لاخفاء الامام السيد موسى الصدر، مؤسس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، ومؤسس حركة “أمل”، وفي ذكراه لا بد من التحدث عن الرجل الذي لا يختلف عليه وعلى أفكاره اللبنانيون اليوم، فعلى الرغم من أنه شيعي المذهب، إلا أنه كان عابراً للطوائف في فكره، لم يتحدث بنفس شيعي بحت، كل ما أراده هو إعطاء الطائفة الشيعية حقها في بلد سيطر عليه الحكم الطائفي الفئوي، ولكي يؤكد أن نهج الحركة فكري لا طائفي، وعند تأسيس الحركة والاعلان عن ميثاقها أصدر 191 مثقفاً من مختلف الطوائف بياناً أعلنوا فيه تأييدهم للحركة.
لم يكن خطاب الامام الصدر تعبئة دينية، بل كان يعتبر أن أفضل وسائل عبادة الله هي خدمة الانسان. وأكد أنه انطلق من الطائفة الشيعية في حينها كونها كانت أكثر الطوائف حرماناً، إلا أنه لم ينسَ في حركته الشمال ولا ضاحية بيروت الشرقية والمحرومين فيها من طوائف أخرى، ولعل حركته في برج حمود والكرنتينا كانت أكبر دليل على ذلك، ومن ينسى خطاب الصدر في كنيسة الكبوشيين التي بدأها قائلاً: “اجتمعنا من أجل الانسان الذي كانت من أجله الأديان، وكانت واحدة آنذاك، يبشّر بعضها ببعض، ويصدّق أحدها الآخر، فأخرج الله الناس بها من الظلمات إلى النور بعد أن أنقذهم بها من الخلافات الكثيرة الساحقة والمفرّقة، وعلّمهم السلوك في سبيل السلام”.
واعتبر الامام الصدر أن المرض اللبناني يتلخص في 4: غياب العدالة في حقل التنمية وفي حقل الفرص، تأجيل القضايا الوطنية الكبرى وعدم البحث في حلها وبالتالي عدم اتفاق المواطنين على الحد الأدنى من الاتفاق حولها، أسلوب العمل السياسي في لبنان، وابتلاء لبنان بعدّو يشنّ حروباً متنوعة في طليعتها الحرب النفسية ضده. ولم يعتقد الصدر أن الصيغة اللبنانية بمعنى التعايش بين اللبنانيين من مختلف الطوائف المختلفة كانت السبب في مشكلات لبنان، بل كان يرى أن وجود الطوائف المختلفة فيه مصدر للقوة وتمايز حضاري للبنان. ويصوّب الصدر السهام نحو الممارسات الخاطئة، معتبراً أنها السبب في مشكلات لبنان، مشدداً على امكان إيجاد بديل أفضل من الأسلوب الطائفي في الحكم.
كانت خطابات الصدر ملهمة فعلاً، واستطاع أن ينهض بطائفة مغبونة ويحصل لها حقوقها، ومع ذلك لم يتحدث بأي نفس طائفي، بل كانت غالبية أحاديثه فكرية ثورية، ما لم يجعلها حصراً حكراً على الطائفة الشيعية، فمثلاً تحدث الصدر عن التغيير، وصعوبة البدء به، وأعطى مثلاً على ذلك عن التدخين قائلاً: “الإنسان أمام أي عمل من الأعمال وأمام أي خير أو شر، حينما يرتكب للمرة الأولى هذا العمل يجده صعباً عليه، ولكن بالتدريج يسهل ويصبح جزءاً من حياته، في عاداته. لعل الكثير منا حينما بدأ لأول مرة بشرب الدخان كان يتثاقل من شربه ويكرهه ويشعر بالمرارة، ولكن بالتدريج أصبح هذا الموجود المضرّ الخطر المرّ جزءاً لا ينفك من عاداتنا ومن حياتنا”.
واعتبر الصدر أن تغير واقع الأمة يبدأ من تغيير النفس أولاً، و”حينما نغيّر أنفسنا، حينما نجعل إلهنا الله لا هوانا، حينما تصطدم مصلحة أخي مع الحق، أفضِّل الحق عليه؛ إذا اصطدمت مصلحتي مع الحقّ، أفضِّل الحق على نفسي؛ إذا اصطدمت مصلحتنا مع مصلحة غيرنا، وكان الحق معهم نسلك سبيل الحق، ونصبح جزءاً من بحار الحق…”.
استطاع الصدر كسب محبة واسعة لدى مختلف الطوائف، وكان يعتبر أن لا وجود لأعداء في لبنان، بل ان العدو الوحيد للبنان هو اسرائيل، وأن الكيان اللبناني هو نقيض للاسرائيلي، وحتى عندما حاول البعض توريطه في لعبة الاقتتال الداخلي عبر قصف منطقة الشياح، اعتصم في مسجد في بيروت رفضاً للحرب الأهلية، إلا أنه بعد أيام حصلت اشتباكات في البقاع أخذت طابعاً طائفياً، ففك اعتصامه وتوجه الى قرية دير الأحمر، رافضاً التعرض لها ولأي قرية مسيحية، مؤكداً أن السلاح هو لمواجهة العدو الصهيوني فقط، وقد شدد على ذلك في مقابلة صحافية خلال اعتصامه.
ماذا لو عاد الامام الصدر اليوم، ما كان ليقول عن لبنان؟ هل كان سيجدد مقولته “احفظوا وطنكم قبل أن تجدوه في مزابل التاريخ”؟ كيف كان سيتصرف مع دعاة الفديرالية والتقسيم؟ ماذا كان سيقول للسياسيين الذين وصفهم بتجار الدين والطائفية؟ كيف ستكون حركته بعد أن أصبحت غالبية اللبنانيين من المحرومين؟
قدر العظماء في أمتنا أن يتم تغييبهم بطريقة أو أخرى، لأنهم يشكلون خطراً على الأجندات السياسية المتوحشة، التي تصب في مصالح الأشخاص وليس عامة الشعب.


