من يأوي السنوار ومن “يبرئ” نتنياهو؟

أنطوني جعجع

انه المأزق.

لا شيء في حرب غزة يوحي بأن طرفي النزاع قادران على وضع السلاح جانباً والرهان على تسوية تعيد الى “حماس” السلطة التي كانت لها قبل “طوفان الأقصى”، وتعيد الى اسرائيل الهيبة التي كانت لها قبل ٧٥ عاماً.

ولا شيء أيضاً في حرب الجنوب يوحي بأن طرفي النزاع قادران على وقف القتال والرهان على مخرج يعيد الى “حزب الله” التفرد الذي كان له قبل “حرب المشاغلة”، ويعيد الى اسرائيل التفوق الذي كان لها قبل دخول ايران على خط الصراع العربي – الاسرائيلي.

والواقع، بعد ثمانية أشهر من القتال أن “حماس” باتت في موقع لا يسمح لها بالصمود طويلاً، وأن اسرائيل باتت في موقع لا يسمح لها بالتراجع أبداً، وسط أجواء تؤكد أن يحيى السنوار بات يعرف، مع اقتراب الجيش الاسرائيلي من رفح، أنه بات أمام واحدة من نهايتين: اما الرحيل كما فعل ياسر عرفات في حرب لبنان، واما الاستشهاد كما فعل أحمد ياسين أو عبد العزيز الرنتيسي، وأن إسرائيل باتت تعرف أنها باتت أمام خيارين: اما التوقف عند أبواب رفح وجعلها شوكة في خاصرتها، واما المخاطرة بمئات الجنود في معركة تشبه معارك الايرانيين خلال حربهم مع العراق، أي حروب الأثمان البشرية التي تشبه الحروب الانتحارية.

وقد يقول قائل ان الانتصار في غزة لن يكون عملاً غير استثنائي، وهو أمر منطقي من حيث الشكل، لكن المضمون يأخذ تل أبيب الى مكان آخر يصب في واحد من اتجاهين: اما الذهاب قسراً في اليوم التالي نحو كيان فلسطيني مستقل تكون غزة المحتلة جزءاً أساسياً منه وهو الكأس المرة بالنسبة الى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، واما البقاء عسكرياً في غزة والمخاطرة بالجلوس على برميل من بارود، وهو القلق الذي يعيد العسكر الاسرائيلي الى حرب الاستنزاف في جنوب لبنان قبل الانسحاب في العام ٢٠٠٠.

ولا تبدو “حماس” أفضل حالاً، فهي تعرف أن ايران لن تأتي لنجدتها، وأن ما يفعله “حزب الله” انطلاقاً من الجنوب لم يؤتِ الثمار المرجوة، وأن ما يفعله الحوثيون في البحر الأحمر لم يجدِ نفعاً، وأن ما تبقى لديها هو حفنة من الرهائن الاسرائيليين الذين تحولوا الى “ورقة خلاص” في مكان ودروعاً بشرية في مكان آخر.

وأكثر من ذلك، تعرف “حماس” أنها جزء من حركة “الاخوان المسلمين” التي تحولت الى حركة منبوذة لا يريدها أحد، لا في قطر ولا في تركيا ولا في بريطانيا ولا في ايران ولا في أي مكان آخر، اللهم الا اذا تمكنت من التسلل الى بلد آخر بمساعدة أطراف حليفة، وتحديداً الى بيروت بتسهيل من “حزب الله” أو الى الأردن بسعي من أميركا التي يبدو أنها تحاول استنساخ تجربة بيروت في عمان.

وهنا لا بد من السؤال: ماذا بعد؟

الواقع أن كل الفرقاء باتوا على اقتناع شبه راسخ بأن الانتصار دونه عراقيل عدة، فلا اسرائيل مقتنعة بأن الحسم بات ممكناً لأسباب عسكرية عدة، أو بات مقبولاً من رأي عام دولي نقلها من دولة ديموقراطية الى دولة قمعية يديرها مجرمو حرب وفق كواليس المحكمة الجنائية الدولية.

الواقع أيضاً أن جميع أطراف النزاع باتوا في المأزق الذي يخيّرهم عبثاً بين الحسم والسلم، لا سيما محور الممانعة الذي يسعى الى أي تسوية توقف القتال حيث هو الآن ومن دون مزيد من المغامرات الانفعالية، منطلقاً من حقيقة تفيد بأن الفريق الذي يمكن أن يخسر الأرض هو الطرف الفلسطيني وأن الطرف الذي يمكن أن يخسر النفوذ هو الطرف الايراني.

وما ينطبق على محور الممانعة لا ينطبق تماماً على اسرائيل التي تسند ظهرها الى أعتى قوة عسكرية في العالم أي الولايات المتحدة، والتي تملك اليد الطولى في حرب غزة وتسعى الى النصر السياسي – الأمني في جنوب لبنان من خلال تطبيق القرار ١٧٠١ وسحب “حزب الله” من المناطق الحدودية ونزع مبرر حضوره العسكري في المعادلة اللبنانية- الاقليمية.

وقد يكون في هذا العرض ما يرجح الكفة لغير الممانعين، لكن قراءة بسيطة لخريطة المنطقة، تؤكد أن الحرب الحالية لن تنتهي، حتى في ظل تسويات سياسية ممكنة، الا بظهور فريق جريح هو اسرائيل وفريق بحال الخطر هو فريق الممانعة.

وهنا لا بد من السؤال الأول: ماذا بعد؟

الجواب ليس في غزة ولا في الجنوب أو بغداد أو دمشق أو اليمن أو حتى في طهران، انه في واشنطن التي أثبتت، على الرغم من ضعف رئيسها جو بايدن، أنها العراب الذي يطلب من اسرائيل أن تهدأ فتهدأ ويطلب من ايران أن تعقل فتعقل.

والجواب أيضاً يكمن في استراتيجية أميركية واضحة تجر كل أطراف الصراع في الشرق الأوسط الى معارك استنزافية قاسية تدفعها أخيراً الى القبول بأي تسويات انقاذية تعرضها أميركا التي تستعد لبناء شرق أوسط جديد لا سلاح فيه يهدد الأمنين الاقليمي والدولي، ولا قوة عاتية تستطيع أن تفرض على اسرائيل ما لا تقدر عليه ولا على العرب ما لا يقدرون على تحمله.

وفي الانتظار، تدرك “حماس” أنها تخوض معركتها العسكرية الأخيرة وتحاول عبثاً حتى الآن استبدالها بمعركة سياسية قائمة على ورقة الرهائن لا الصواريخ، وأن اسرائيل تخوض آخر حروبها التي تأمل أن تعطيها السلام الذي تنشده من ٧٥ عاماً.

وحده “حزب الله” لا يعرف ماذا ينتظره وسط هذا الصراع، فهو دخل في حرب لا يستطيع الانتصار فيها ولا التراجع عنها، ما يعني عملياً أنه ارتكب في العام ٢٠٢٣ الخطأ نفسه الذي ارتكبه في العام ٢٠٠٦ مع فارق وحيد يتمثل في أنه خرج سالماً في التجربة الأولى من “خروم الشبك”، وأنه في التجربة الثانية دخل اليها منتشياً من دون أن يعلم هل يخرج منها “مقاوماً” لا بد منه أم مسلحاً لا بد من نزع سلاحه؟

شارك المقال