بايدن… المحظور في رفح مسموح في لبنان!

أنطوني جعجع

هل يستطيع الرئيس جو بايدن الذهاب بعيداً في تبايناته المتصاعدة مع الدولة العبرية أو تحديداً مع رئيس وزرائها المتمرد بنيامين نتنياهو؟

الجواب ليس صعباً ولا يحتاج الى الكثير من التدقيق، فهو لا طبعاً، ليس حباً بها أو به بل لأن التباين وإن كان يضر اسرائيل فإنه لا يخدم أميركا في الوقت عينه، ولأن البديل في الشرق الأوسط بالنسبة الى الأميركيين شبه معدوم إن لم يكن معدوماً تماماً.

وأكثر من ذلك، اختار الرئيس الأميركي التوقيت الخاطئ لـ “معاقبة” نتنياهو أو كبح اسرائيل، في وقت يخوض الأميركيون مع العالم كله تقريباً صراعاً علنياً في مكان وخفياً في آخر ضد محور الممانعة الذي تقوده ايران، وصراعاً آخر مع روسيا التي تحاول اختراق أوروبا من البوابة الأوكرانية، وصراعاً آخر مع الصين التي بدأت تتحول الى قوة عسكرية متوثبة في مواجهة تايوان والفليبين والهند، اضافة الى القوة العسكرية الأميركية المرابطة في آسيا.

وأكثر من ذلك أيضاً، لا بد من سؤال: من هي القوة البديلة التي يمكن للرئيس الأميركي الاعتماد عليها بعيداً من اسرائيل لتحقيق أمرين جوهريين: الأول اقامة دولتين فلسطينية واسرائيلية، والثاني لجم الطموحات النووية والعقائدية الايرانية في الشرق الأوسط؟ هل هي تركيا، عرابة “الاخوان المسلمين” في العالم، أم هي السعودية العالقة بين توجس من ايران وتناقض مع “حماس” وانعدام ثقة مع واشنطن، أم هي مصر الغارقة في قلقين: الأول اقتصادي يكاد يحوّلها الى دولة رهينة في قبضة البنك الدولي، والثاني أمني – ديموغرافي ينبع من احتمال الصدام مع اسرائيل وضرب اتفاق السلام، ومن احتمال تدفق الفلسطينيين من غزة نحو سيناء واقامة دولة أصولية افتراضية كتلك التي قيل انها كانت في حسابات الرئيس “الاخواني” الراحل محمد مرسي؟

والجواب أيضاً، أن بدائل كهذه غير متوافرة من جهة وغير مجدية من جهة أخرى، اذ يؤمن الأميركيون تاريخياً بأن وجود اسرائيل في هذه المنطقة يشبه وجود “الحرس الوطني” في قلب أميركا، وأن الابتعاد عنها أو حتى القبول بتحجيمها يضاهي في تداعياته السلبية ما تكبدته أميركا، نتيجة خيارات صعبة وخاطئة، في كل من فيتنام ولبنان والصومال في مراحل سابقة، ويجعل عرب الاعتدال تحت رحمة ايران وحلفائها، ويجعل فلسطين الغد في قبضة “حماس”، ولبنان في قبضة “حزب الله”، واليمن في قبضة الحوثيين، والعراق في قبضة “الحشد الشعبي”، وسوريا في قبضة روسيا في مكان و”الحرس الثوري” الايراني في مكان آخر.

ويقول مصدر ديبلوماسي أميركي: “ان بايدن يفكر في كيفية انتصاره على غريمه الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة أكثر مما يفكر في كيفية انتصار اسرائيل على المحور الايراني، معتبراً البقاء في البيت الأبيض ولاية ثانية، الأولوية التي لا يتقدم عليها أي أمر آخر في المستقبل القريب على الأقل”.

ويضيف: “ان الأمر لن يطول قبل أن يجد بايدن نفسه في مواجهة مع اللوبي اليهودي الذي بدأ يحرّك الجمهوريين وفئات كثيرة من الديموقراطيين لحمله على الاختيار بين أمرين: اما الوصول الى مصالحة مع نتنياهو على الرغم من مرارتها، واما المخاطرة بخسارة الولاية الثانية”، معتبراً أن بايدن يعتبر الانتصار على نتنياهو انتصاراً غير مباشر على ترامب، بدل أن يكون هزيمة أو تراجعاً أو تعثراً أمام “حماس” ومحور الممانعة.

ويتابع: ان بايدن يحاول الظهور أمام العالم والناخبين الأميركيين معاً، بمظهر “العراب” القادر على تحجيم أي قوة عاصية وتأنيبها سواء كانت قوة حليفة أو معادية، وإفهام اسرائيل أنها ليست كما تبدو من دون أميركا، وأن أميركا لا تبدو أكثر قوة بفضل اسرائيل.

وتصر مصادر ديبلوماسية أميركية على أن بايدن ينطلق في قراراته من منطلقات شخصية ناتجة عن معاندات نتنياهو ومكابراته وليس من منطلقات استراتيجية محض، مشيرة الى أن الرجل لم يعد يميز بين التصرف كزعيم على العالم أو كزعيم على نتنياهو.

وتشير المصادر الى أن بعض الغيظ الذي أصاب بايدن هو غيظ مبرر، خصوصاً أن نتنياهو لم يحترم في حربه على غزة أي مواثيق أو أعراف أو اتفاقات أو اعتبارات قانونية أو انسانية، وتحوّل الى مجرم حرب لا يمكن لرئيس أميركي يستعد لانتخابات دقيقة، أن يتقبلها أو يتغاضى عنها أو يعتبرها جزءاً من عدة الحرب، هو الذي يحاول لجم الترسانة الروسية غير التقليدية والممارسات غير الانسانية في أوكرانيا.

وما زاد في حماسة بايدن، الاعتصامات الطالبية المؤيدة لفلسطينيي غزة في عدد كبير من الجامعات الأميركية، والخوف تالياً من بوادر “صراع أهلي” في الشارع الأميركي، معتبراً ما جرى ذخيرة شعبية وازنة في حساباته الانتخابية، وسقطة وازنة في حسابات ترامب الداعم الأقوى للدولة العبرية في العالم.

وهنا لا بد من السؤال: اذا كان هذا وضع بايدن فماذا عن وضع نتنياهو؟

الواقع أن نتنياهو وفريقه السياسي والعسكري يعرفان أن أميركا لا يمكن أن تتخلى عن إسرائيل لأي سبب من الأسباب، ويتصرفان وكأن الأمر ليس الا فورة انتخابية موقتة أو غمامة صيف عابرة لا بد أن تمر بأقل أضرار ممكنة.

ويتردد في أوساط اسرائيل أن نتنياهو، أو “الحبيب الذي عرف مكانه فتدلل” يمكن أن يصمد من دون الأسلحة التي قد يحجبها بايدن، وذلك من خلال ابطاء زخم الحرب لما تبقى من فترة بايدن الرئاسية، مراهناً على امكان عودة ترامب الى البيت الأبيض، مشيرة الى أن ما يردده رئيس وزراء اسرائيل عن الحرب الطويلة يعود الى هذه النقطة تحديداً.

وتختم الأوساط: ان نتنياهو يعرف أن قرار بايدن قرار غير مسبوق ويصب في مصلحة ايران بطريقة غير مباشرة، لكنه يعرف أيضاً أن حربه مع “حماس” لم تنتهِ بعد، على الأقل كما يشتهي، وأنه يخوض صراعاً مع ذاته أكثر مما يخوضه ضد بايدن أو محكمة العدل الدولية، مؤكداً أمام فريقه القريب أنه لن يضع وجود اسرائيل على المحك كي يفوز بايدن بولاية ثانية من أربع سنوات، وأن شعبه الذي انتظر قروناً قبل أن يستقر في “كيان خاص” يمكن أن ينتظر ستة أشهر أخرى لمعرفة من سيقود أميركا غداً، هل هو بايدن الذي يريد تأنيبه أم ترامب الذي يريد “تكريمه”؟

ووسط هذا الحب الذي لا يقتل يسود اقتناع في اسرائيل بأن نتنياهو لن يتوقف عن القتال كرمى أحد سواء كان أميركياً أو حتى اسرائيلياً، قائلاً في كواليسه: اذا كانت واشنطن متحفظة حيال الحرب في رفح، فهي ليست متحفظة حيال الحروب الأخرى في المنطقة، داعياً جيشه الى الاستعداد للانتقال من جبهة مغلقة هي غزة الى جبهة مفتوحة هي لبنان.

شارك المقال