الشيعة اتعظوا… ماذا عن الموارنة؟

أنطوني جعجع

ما بين “حزب الله” وحركة “أمل” هو تماماً ما بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” مع فارق وحيد هو أن الفريق الأول تعلم من تجاربه وعلق صراعاته حتى اشعار آخر على الأقل، وأن الفريق الثاني لم يتعلم من تجاربه ولم يعلق صراعاته على الرغم مما يعاني من مخاطر وجودية وتحديات كيانية.

وفي جولات على بيئات الفريق الشيعي، لا يبدو الود الجدي الظاهر في العلن ظاهراً في الخفاء، اذ يخبئ كل فريق ما يكنه للآخر من فوقيات في مكان ومآخذ في مكان آخر، خلافاً للفريق الآخر الذي يكشف حجم التباينات والكراهيات في العلن والخفاء معاً.

وليس سراً أن ما يجمع بين “أمل” و”حزب الله” هو ما يجمع بين سوريا وايران، وأن ما يفرّق بينهما هو ما يفرّق بين البلدين، في حين أن ما يفرّق بين الفريقين المسيحيين هو ما يفرّق بين سمير جعجع وميشال عون وما يجمع بينهما هو ما يجمع بين الرجلين.

وليس سراً أيضاً، أن ما أوقف حمام الدم بين الفريقين الشيعيين هو اتفاق سوري ايراني، أعطى “حزب الله” قوة السلاح بدلاً من قوة الامتيازات التي حرم منها في محاصصات “الطائف” وأعطى حركة “أمل” قوة المحاصصات بدلاً من قوة السلاح، وهو ما يفسر امتناع السوريين عن تحريك حركة “أمل” عسكرياً في الجنوب، وعدم توزير “حزب الله” في أي حكومة ائتلافية لبنانية بتسليم ايراني من جهة وقرار أميركي من جهة ثانية.

والواقع أن الفريقين التزما ولو على مضض هذه “القسمة الحبية” التي جاءت بعد مواجهات دموية أسفرت عن أكثر من ٦٠٠ قتيل ومئات الجرحى، وكادت تطيح حركة “أمل” لو لم يتدخل الجيش السوري لنصرة رئيسها نبيه بري الذي اضطر الى حمل السلاح بنفسه لشد عصب رجاله.

وقد يسأل سائل عما يبقي السلام قائماً بين بري وحسن نصر الله بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وما أصاب بشار الأسد نتيجة الحرب التي اندلعت في بلاده في العام ٢٠١١.

الجواب لا يحتاج الى الكثير من التمحيص، اذ ان “حزب الله” تمكن من وراثة النفوذ السوري بالقوة في مكان وبتسليم من الأسد الذي فضل رؤية لبنان في عهدة ايران بدلاً من أميركا وقوى ١٤ آذار، اضافة الى عامل المناورة في مكان آخر وعبر التحالف مع “التيار الوطني الحر” في كل مكان، في حين سلم بري بهذا الواقع مكتفياً بأمرين: التحكم باللعبة التشريعية في مجلس النواب، واستغلال حاجة “حزب الله” الى علاقاته ومناوراته لتمرير ما لا قدرة له على تمريره بغير القوة العسكرية وأبرزها الانتخابات الرئاسية والتعيينات السيادية الأساسية، اضافة الى اتفاق ضمني يقضي بتولي ميليشيا “أمل” حماية ظهر “المقاومة الاسلامية” خلال تورطها في حرب سوريا في الأمس، وتورطها اليوم في حرب غزة، وإسنادها في أي معركة داخلية مع أي من الطوائف الأخرى، تماماً كما حدث في بيروت في الثامن من أيار ثم في “السابع عشر من تشرين” وفي الطيونة أخيراً.

ويقول مصدر قريب من حركة “أمل”: ان العلاقة مع “حزب الله” ستحافظ على طابعها غير الصدامي ما دامت حجة الصراع مع اسرائيل قائمة، وما دامت سوريا جزءاً من محور الممانعة، محذراً من أن انتفاء هذين العاملين قد يعيد الفريقين الى منطق الصراع الدموي المباشر.

ويضيف: ان حسن نصر الله لايشعر بالرضى حيال امتناع حركة “أمل” عن ارسال قوات الى سوريا لنصرة الأسد، ولا حيال امتناع بري عن دعم عهد الرئيس ميشال عون، ولا عن الانخراط في حرب تموز العام ٢٠٠٦، معتبراً أن رئيس البرلمان جعل من مسلحيه جيشاً خاصاً وليس جيشاً وطنياً أو عقائدياً يعنيه القتال من أجل منظومة الممانعة كما يعنيه السعي الى السيطرة على الحركة السياسية والدستورية والمالية في البلاد، وهي أمور أرغمت “الأستاذ” على الحد من تنقلاته وتحركاته بعد تهديدات تلقاها من غير طرف.

لكن، يوضح المصدر، لا يجد نصر الله أي خيار آخر يتعدى العض على الأصابع، معتبراً أن عكس ذلك سيغرق البيئة الشيعية في مهاترات وتحديات لا أحد يعرف كيف تتطور مساراتها، وسيدحض الذرائع التي يتسلح بها لتبرير حاجته الى السلاح، وسيحرمه من وسيلة اتصال غير مباشرة يجريها مع اأاميركيين والفرنسيين وعرب الخليج واللجنة الخماسية، اضافة الى مسيحيي المعارضة، ليمرر في السر ما لا يقوى على تمريره في العلن، وفي مقدمه الاتفاق السابق الذي حدد الحدود البحرية مع اسرائيل، والاتفاق المحتمل الذي يمكن أن يرسم الحدود البرية ويحدد وضعية “حزب الله” في جنوب لبنان.

ولا يجد نبيه بري أي حرج في الاضطلاع بهذا الدور ما دام جاره الشيعي بعيداً من رجاله أولاً، وما دام ثانياً قادراً على انتزاع مكاسب سلطوية في معظم المرافق الحيوية للبلاد، وما دام في نظر العالمين العربي والغربي المرجع الذي تمر من خلاله الرسائل والحلول ذهاباً واياباً.

اذا كان هذا في اختصار وضع الثنائي الشيعي، فلا بد من سؤال بديهي ماذا عن المسيحيين؟

– يتبع

شارك المقال