ممارسة الضغوط السياسية على عمل المحاكم وعدم الفصل بين السلطات سمة الأنظمة الشمولية، المفارقة ما تتعرض له الآن محكمتا العدل الدولية والجنائية الدولية من ضغوط وتدخلات وتهديدات صادرة عن أنظمة يعتقد أنها ديموقراطية أو أنها عريقة في هذا المضمار مثل أميركا وبريطانيا وألمانيا وايطاليا… شيء غير مقبول وهو بالتأكيد يقوّض مصداقية تلك الدول في ادعاءاتها المتعلقة بالنزاهة والعدالة والديموقراطية والحرية وحقوق الانسان، خصوصاً بعد انكشاف ديماغوجيتها وازدواجية معاييرها عندما يتعلق الأمر بفلسطين، وتبدى ذلك عند المقارنة بين ما حدث ويحدث في أوكرانيا وفلسطين خصوصاً غزة، بحيث تظهر مثل هذه الدول لا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا أنها بصدد التضحية بسمعتها ومصالحها من أجل اسرائيل وما ترتكبه كدولة محتلة من مجازر في فلسطين.
سخافة الضغوط اياها والتهديدات تأتي على خلفية أن اسرائيل يجب أن تستمر كدولة فوق المحاسبة، وأنه لا يجوز مقارنتها بأي كيان آخر بغض النظر عما ترتكبه أو أي اعتبارات دامغة تدين تل ابيب فقط لأنها اسرائيل.
تدرك جنوب إفريقيا صاحبة الدعوى ضد اسرائيل أن رياح التغيير والاعتراف بدولة فلسطين ضمن خطة عربية أوروبية أوسع لن تتوقف عند ثلاثي إسبانيا والنروج وإيرلندا، وأن تهديدات بنيامين نتنياهو الجوفاء التي طالت الجميع بصورة انفعالية لن تغيّر من ضرورة استكمال مسيرة العدالة التي انطلقت وهي تتوسع في العالم أجمع عمودياً وأفقياً، وأن سوط معاداة السامية المصلت بدأ يفقد تأثيرة لفرط استخداماته المضللة.
المجازر التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي في غزة على مدى سبعة أشهر كرد غير متناسب على عملية “طوفان الأقصى” لم يعرّي الاحتلال الاسرائيلي على مدى 76 عاماً وحسب، بل عرّى الادعاءات الديموقراطية الغربية ذاتها في المسألة الانسانية عموماً والقانونية خصوصاً ما دفع الشخصية الانسانية الاعتبارية العالمية الفردية المتحضرة الى اعادة التقييم الذاتي في إطار نقدي ملهم نحو الهتاف بصوت واحد “فلسطين حرة”. وقد انفضحت السردية الصهيونية وتأكدت التغريبة الفلسطينية بحيث بدت غزة أنها تحرر العالم من قيود الصهيونية وأوهامها حتى داخل أوطان الأفراد أنفسهم.
الاحتجاجات الشعبية والطلابية لا سيما في الدول التي لا تزال تدعم استمرار الحرب على غزة تشير بقوة الى انفصام الخيارين الشعبي والسياسي بما ينذر بتغيرات كبيرة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وقد تدشن لندن ذلك التغيير مع إعلان ريتشي سوناك موافقة الملك تشارلز على الانتخابات المبكرة.
من مهازل الديموقراطية الغربية وقد بلغت الحضيض أن أميركا تجادل في وجوب وقف قتل المدنيين بوقف اطلاق النار وأنها لا تعترض على مبدأ القتل، انما تذهب بما ترفضه اسرائيل الى ضرورة تقنين ذلك القتل كتكتيك اجرامي بحيث لا يدفع أصحاب القلوب الرحيمة في العالم الى ثورة تطيح ما تود فعلاً واشنطن وتل أبيب القيام به وهو المزيد من القتل وارتكاب المجازر.
التاريخ لا ولن يرحم المجرمين، فإن قصّرت يد العدالة اليوم فستطالهم غداً، ولأن طوفان الوعي العالمي بدأ بالتشكل فليحذر من يستطيع القفز من سفينة الصهيونية الغارقة ولم يفعل.


