تفاعَلت قضيّة اعتصام عددٍ من الناشطين أمام مبنى نقابة المحامين في طرابلس، احتجاجاً على استضافتها ندوة ممولة من وكالة التنمية الأميركية ونصرة لغزة وعموم فلسطين. وقد سارعَ نقيبُ المحامين في طرابلس والشمال سامي الحسن إلى الادّعاء على البعض منهم.
المحتجون قالوا انهم “فوجئوا باستضافة أنشطة ممولة ومدعومة من وكالة التنمية الأميركية لاختراق المجتمعات العربية، وهم يطالبون برفع الصوت ضد الولايات المتحدة الأميركية الشريك الأكبر للعدو الصهيوني في حرب إبادته ضد الشعب الفلسطيني وأبناء غزة”. واعتبروا أن “هذه الندوة تأتي في سياق التعمية على مجزرة الخيم في مدينة رفح، وكان الأولى بالنقابة أن تدين الاعتداء الصهيو-أميركي على محكمة العدل الدولية بدل استضافتها من يرتكب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، ويزوّد العدو بالمال والسلاح لاستمرار حرب الإبادة ضد أبناء غزة، واستمرار العدوان على أبناء الجنوب اللبناني وقراه”.
البعض رأى أن ما حصلَ يجبُ عدم تحميله أبعاداً ليست فيه، وأن الاعتصام لا يعدو أن يكون إلاّ اعتراضاً سلميّاً ديموقراطيّاً حضاريّاً، وأنَّ نقابة المحامين لها تاريخها العريق في صون مبادئ الوطنيّة والعروبة، والجميع يحترمُ تقاليدَها ويحرصُ على مكانتها وكرامتها، وأن من المفيد سحب هذا السجال من الاعلام، وناشد النقابةَ الذهاب إلى المعالجات الوديّة بعيداً عن القضاء.
على قاعدة “حبني قليل وفهمني كتير” يتطلب دعم القضية الفلسطينية وعياً كبيراً، ضمن معايير مؤسساتية رصينة، تجيب عن أسئلة ماذا ومن وكيف وأين ولماذا؟ المنهجية العلمية تقلل الأخطاء وتمنع الاستغلال وتحول دون ضياع الفرص البديلة الممكنة.
ينادي كثيرون بضرورة المواجهة والمقاطعة، من هي الجهة المخوّلة لتقرير ذلك؟
ربما لا يتسع المقام للتوسع في الشرح والاجابة بعموم القضية، لكن بالعودة الى القضية الآنفة الذكر كنموذج للمقاربة، على الشبكة “العنكبوتية” فإن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) هي وكالة تابعة لحكومة الولايات المتحدة الفيدرالية ومسؤولة في المقام الأول عن إدارة المساعدات الخارجية المقدمة للمدنيين. أسس الرئيس جون كينيدي هذه الوكالة عام 1961 بأمر إداري لتنفيذ برامج المساعدات التنموية في المناطق بموجب قانون المساعدات الخارجية، وعمل الكونغرس على تحديث التفويض من خلال عدد من قوانين الاعتماد المالي السنوية وتشريعات أخرى. وعلى الرغم من كون الوكالة إحدى وكالات الحكومة الأميركية المستقلة من الناحية الفنية، إلا أنها تخضع لتوجيهات السياسة الخارجية لرئيس الولايات المتحدة الأميركية ووزير الخارجية ومجلس الأمن القومي. يعمل مدير الوكالة ضمن توجيهات السياسة الخارجية وصلاحيات وزير الخارجية. وتسعى الوكالة إلى مساعدة الشعوب التي تعاني لتحسين ظروف معيشتها وللتعافي من الكوارث، أو تلك الشعوب التي تكافح للعيش في دول حرة وديموقراطية. حددت الوكالة أهدافها والتي تتضمن توفير المساعدة الاقتصادية والتنموية والانسانية حول العالم لدعم تنفيذ السياسات الخارجية للولايات المتحدة. وتعمل الوكالة في إفريقيا وآسيا والشرق الأدنى وأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأوروبا وأوراسيا.
وكالة التنمية الأميركية تعمل في جميع دول العالم تقريباً منها لبنان ومدينة طرابلس، وكما هو معلن في المجالين الإغاثي والتنموي على أعين السلطة اللبنانية وبالشراكة والتعاون مع المجتمع المدني، وعلى مساحة 10452كلم2.
يمكن النقاش مع “USAID” وما يشبهها من جهات تمويل: في المسائل التقنية وجدوى بعض السياسات الاغاثية والتنموية، بل يمكن النقاش في فلسفة ذلك التدخل وبنائه النظري، أقول ذلك من موقعي المتابع منذ سنوات طويلة كصحفي وباحث في الشؤون التنموية، وقد عرضت بعضاً من ذلك في كتابي الصادر عن “دار الفارابي” العام 2014 تحت عنوان “لبنان التنمية آفاق وتحديات” وفي مقالات وتقارير وتحقيقات عديدة، لكن بالتأكيد لا يمكن صهينتها أي تلك المؤسسات أو شيطنتها وبالتالي استهدافها بالمطلق، فمن وجهة نظر أخرى الكثير من اللبنانيين يشيدون بعمل “USAID” كجسر بين الشعبين اللبناني والأميركي، ويصفونه بالحاجة الملحة لا سيما في ظل الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي اللبناني.
تُعَرِف “USAID” عن تمويلها بالقول انه من الشعب الأميركي الى الشعب اللبناني، وعلى هذا الأساس يجب التفريق بين سياسة الادارات الأميركية المتعاقبة في البيت الابيض الإزدواجية المعايير أو حتى في مجلسي الشيوخ والنواب وبنسبة كبيرة، في الشرق الأوسط والعالم وبين الدور الانساني والتنموي الذي تقوم به الوكالة حتى يثبت العكس. نحن لا نقول إن “USAID” منفصلة عن هذا الواقع لكننا نتحدث عن شيء من المهنية على هذا الصعيد، خصوصاً ما يتعلق بأدائها في لبنان وفي غزة.
بالنسبة الى غزة حتى الآن كانت مواقف “USAID” متضامنة مع محنة الشعب في غزة وكثيراً ما عبّرت ببياناتها وتصريحات المسؤولين فيها عن ضرورة فتح المعابر وتزويد غزة بالمساعدات التي تحتاجها وكثيراً ما حذرت من سوء الوضع الانساني في القطاع، وطالبت بالاسراع في المعالجة وتدارك الأمور.
سبق وقالت مديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية سامانثا باور إن الأوضاع في قطاع غزة أسوأ من أي وقت مضى، وأوضحت في منشور على منصة “إكس” أن الهجمات الاسرائيلية وإغلاق المعابر الحدودية يجعلان توزيع المساعدات صعباً للغاية. وأضافت: “شركاؤنا الذين يعملون في مجال المساعدات الانسانية في غزة يقولون إن الظروف المعيشية أسوأ من أي وقت مضى”. وأشارت إلى أن وكالتها تتواصل مع حكومات الدول المانحة من أجل تسريع إيصال المساعدات الانسانية الى المحتاجين في غزة.
وكانت باور قد أكدت في وقت سابق أن إغلاق المعابر وعدم توزيع المساعدات يزيدان التكاليف البشرية الرهيبة لحرب غزة، وتحدثت عن مجاعة تلوح في الأفق لأكثر من نصف سكان شمال قطاع غزة ونحو ربع سكان جنوب القطاع.
ووقع المئات من مسؤولي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية “USAID” رسالة تدعو إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، إلى الضغط من أجل “وقف فوري لإطلاق النار ووقف الأعمال العدائية” في الحرب بين إسرائيل و”حماس”، وفق مجلة “فورين بوليسي”.
كثيراً ما تم انتقاد المنظمات الدولية ذات الطابع الأممي أو الاقليمي والمحلي من بعض اللبنانيين والعرب والمسلمين، واتهموها بالعموم بأنها صنيعة غربية، وهذا مفسدة حضارية وضياع للفرص البديلة الممكنة، اتضح الآن أن الاحتلال الاسرائيلي لا سيما المتطرفون منهم في الحكومة مثل رئيسها بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير هم من يتبعون تلك السياسة ويعادون تلك المنظمات والمؤسسات الدولية ويستهدفونها ويحرّضون عليها، لمجرد أنها تقول الحقيقة إن اسرائيل ترتكب المجازر في غزة.
المواقف المشرّفة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وكذا “الأونروا” والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومحكمة الجزاء الدولية والاحتجاجات الشعبية والطلابية في الغرب عموماً وفي أميركا وبريطانيا خصوصاً، واعتراف اسبانيا وايرلندا والنروج وسلوفينيا بالدولة الفلسطينية وتحريك جنوب إفريقيا الدعوى ضد اسرائيل في محكمة العدل الدولية وانضمام العديد من الدول اليها والتي كانت دولة التشيلي آخرها، كل ذلك كعينة من كل أوسع يدعونا الى الحكمة والتبصر في كيفية دعم القضايا المحقة على رأسها فلسطين وغزة واكتساب الحلفاء كي لا نضيع الفرص البديلة الممكنة، ونخسر أصدقاءنا من أفراد وجماعات وهيئات ومنظمات ومؤسسات.
على أن الخطأ المزدوج الذي وقع فيه المحتجون في مدينة طرابلس عن غير سوء نية، الأول الاساءة الى نقابة كانت ولا تزال نموذجاً يحتذى للدفاع عن القضايا المحقة لا سيما القضية الفلسطينية. والخطأ الثاني عدم التأكد من مواقف الوكالة تجاه ما يحدث في غزة، بحيث يمكن وصف موقف وكالة التنمية الأميركية الانساني في غزة بالمتوازن.


